كملت محاسنه فزادتألقاً..نحو العلا ماض بنا يا منتدى



  • اخر المشاركات

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

المشرف: admin

قوانين المنتدى
نساهم فيه بذكر المراجع والمصادر التي تشير إلى تاريخ وحضارة منطقتنا كما نستقبل أي معلومة أو مقالة بذات المجال أو وثيقة مع ذكر المصدر الموثق

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة سورالصين » 01 ديسمبر 2010

في أواخر عهد الدولة العباسية ولما آلت إلى الضعف , وتسلط عليها الأعاجم وتسارع انهيارها ،وتنازع الملوك والأمراء والسلاطين والقادة على السلطة وأفنى بعضهم بعضا بالحروب والتزاحم والتآمر ،كان العالم الإسلامي هدفا لعدوان انصب عليه من الغرب ،فقد شنت عليه أوروبا وطوال ما يقرب قرنين من الزمن(1096ـ1292م) عدة حملات باسم الدين ، سميت بالحملات الصليبية أو الحروب الصليبية(حروب الفرنجة).
أما سبب التسمية(الفرنجة) لأن أول الحملات انطلقت من بلاد الفرنجة (فرنسا الحالية تقريبا) وهي التسمية التي استخدمها المؤرخون العرب المسلمون المعاصرون لهذه الحروب،وأما تسميتها بالصليبية فأتت من اتخاذ المشاركين في هذه الحملات (الصليب +)شعارالهم.
وهنا لمحة بسطة عن كل حملة:
الحملة الأولى:
تألفت هذه الحملة من جموع غفيرة غير منتظمة ،وكان أكثرهم من الفرنسيين ، لأن الدعوة إليها جاءت من بابا روما آنذاك وهو فرنسي الأصل وصدرت من بلدة فرنسية ونادى بها راهب فرنسي ،لذلك كان المسلمون يسمون الصليبيين بالفرنجة ،وقد تولى قيادة تلك الجموع أمراء فرنسيون توجهوا بها بطريق البر واجتازوا بها مدينة القسطنطينية والتحموا في بر الأناضول مع سلاجقة الروم فأباد السلاجقة الكثير منهم، وتمكنت الحملة من شق طريقها إلى الحدود الفاصلة بين شرق الأناضول وبلاد الشام فافترقت إلى ثلاث فرق، واحدة اتجهت شرقا واحتلت مدينة الرها سنة491هـ وأقامت بها أول إمارة صليبية في الشرق بزعامة "بودان الأول" والثانية اتجهت جنوبا نحو بلاد الشام على ساحل المتوسط واحتلت مدينة أنطاكية سنة492هـ وأقامت فيها إمارة صليبية بزعامة"بوهمند، الثاني النورماندي" والثالثة اتجهت نحو القدس فوصلتها سنة493هـ /1099م ،وأطبقت عليها الحصار ،و لم تتمكن الحامية الفاطمية من الدفاع عنها فاستسلمت في يوم 15 تموز عام 1099م ،وأثخن الصليبيون في القتل من أهلها من مسلمين ومسيحيين أرثوذكس ، وتعترف المصادر الأوربية بهول ما فعله الصليبيون في القدس ،وفي ذلك تقول إحدى المؤرخات"إن ما فعله الصليبيون في القدس تعد من أكبر جرائم التاريخ" وقد أقام الصليبيون في القدس مملكة صليبية بزعامة "غودفرواه بويلون"،وفي عام 1100م توجه لحصار عكا فأصابه سهم فقتله وخلفه أخوه"بودان" .

الحملة الثانية:
في عام539هـ/1144م استرد أمير الموصل "عماد الدين زنكي" مدينة الرها من الصليبيين فتألفت بسببها حملة صليبية ثانية بزعامة "كونراد الثالث "ملك ألمانيا و"لويس التاسع " ملك فرنسا وقد عادت أدراجها بعد فشلها في حصار دمشق.

الحملة الثالثة:
في عام 583هـ/1188م استرد الناصر صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد وقعة حطين فتألفت حملة صليبية ثالثة بزعامة "فريدرك بارباروس الأول" ملك ألمانيا"فيليب أوغست "ملك فرنسا و"ريتشارد قلب الأسد"ملك إنكلترا.
وقد سلك "فريدرك طريق البر واجتاز القسطنطينية إلى بر الأناضول وغرق أثناء عبوره في كيليكيا وتشتتت حملته وعاد فيليب إلى فرنسا إثر مرضه. أما ريتشارد فقد عقد صلحا مع صلاح الدين .

الحملة الرابعة:
في عام598هـ/1202م تألفت حملة صليبية أعدها أمراء فرنسيون منهم"بودان التاسع "أمير فلاندر و"تيبو الثالث "أمير شامباني و"لويس"أمير بلوا وآخرون،وكانت مصر هدفا لها، وقد اتفقوا مع ملاحي البندقية(فينيسيا:مدينة إيطالية) على نقلهم إلى الإسكندرية. ولما علم الملك العادل الأيوبي بهذا الاتفاق، منح البنادقة امتيازات تجارية، فتحول قادة الحملة إلى القسطنطينية واجتاحوها وأقاموا فيها دولة لاتينية ولوا عليها"بودان التاسع" ملكا وأعلنوا المذهب الكاثوليكي، وقد استمرت هذه الدولة قائمة حتى سنة658هـ /1260م ،ولمتحقق هدفها كحملة صليبية.

الحملة الخامسة:
تألفت هذه الحملة سنة615هـ/1219م بزعامة "جان دي بريان" واتجهت إلى مصر فاستولت على مدينة دمياط ثم استردها المصريون وأجلوا الحملة عن مصر .

الحملة السادسة:
أعد الحملة "فريدرك الثاني "ملك ألمانيا ،وتوجه بحملته إلى بلاد الشام بطريق البحر سنة 625هـ/1228م ،وكان الملك الكامل ،صاحب مصر، قد استنجد به ليعينه على أخيه الملك المعظم عيسى لكي ينتزع منه دمشق وفق شروط تم الاتفاق عليها منها تسليمه القدس ، وقدم "فريدرك بحملته إلى عكا.وكان الملك المعظم قد توفي وخلفه ابنه الملك المنصور داوود فتصالح مع عمه الكامل وسلمه دمشق وأعطاه بدلا منها صرخد والشوبك والكرك.وباستلام الكامل دمشق نفذ شروط الاتفاق وسلم "فريدرك" مدينة القدس فدخلها وتوج نفسه ملكا عليها وعاد إلى بلاده ،وبذلك أنهى مهمة الحملة التي قادها دون قتال .

الحملة السابعة:
جهز الحملة الملك الفرنسي "لويس التاسع" ،ووجهها إلى مصر ،سنة646هـ/1249م واستولى على دمياط ثم توجه لحصار المنصورة وجرت بينه وبين المصريين في أواخر عهد الملك الصالح(نجم الدين أيوب) وزوجته شجرة الدر معركة،كان النصر فيها حليف المصريين وأسر الملك الفرنسي مع جملة من الأمراء ثم أطلق لقاء فدية كبيرة.

وقد توقفت بعد هذه الحملة الحملات الصليبية على بلاد الشام و مصر. غير أن احتلال الصليبيين لبعض المناطق والقلاع ظل قائما فترة من الزمن ،وتم إجلاؤهم نهائيا في عهد المماليك .
صورة العضو الشخصية
سورالصين

مشاركات: 79
اشترك في: 12 أكتوبر 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة المهندسة تولين » 01 ديسمبر 2010

شكرا لك اخي على الموضوع والتقرير الرائع
أرض العراق عزيزة لا تنحني


والنار تحرق هجمة الغرباء


يحيى العراق بكل شبر صامد


ويحيى العراق بنخوة الشرفاء
صورة العضو الشخصية
المهندسة تولين

مشاركات: 529
اشترك في: 01 أكتوبر 2010
مكان: العراق العظيم

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

بارك الله بك أخي سور الصين العظيم على الموضوع الرائع
ما آلمني هو قيام الملك الكامل (عليه من الله ما يستحقه ) بتسليم القدس للصليبيين و ذلك من أجل مصالح شخصية
كم لدينا في هذا الزمن من أمثال هذا الخائن الذين يتآمرون على القدس و العرب و المسلمين لتحقيق مصالحهم
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة العراب » 02 ديسمبر 2010

شكراً لك سور الصين على هذا الموضوع الذي يطول تفصيله

ولكن خلال الحروب الصليبية كان هناك ما يدعى بفرسان المعبد

من هم هؤلاء ؟ وما هو دورهم ؟ وما مدى صحة ما احيطوا به من أساطير ؟

طبعاً النقاش للجميع وخاصة المختصين بالتاريخ
صورة العضو الشخصية
العراب
عضو مميز

مشاركات: 554
اشترك في: 21 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

هذه مقتطفات من كتاب الدكتور هارون يحيى بعنوان أصحاب المكائد السوداء فرسان المعبد

المقدمة

فرسان المعبد منظمة سرية ترجع في جذورها إلى العصور الوسطى، تعرضت إلى الكثير من التغيير عبر القرون. تزامنت بداية انطلاقتهم مع الحروب الصليبية الأولى، ومالبثوا أن انتزعوا نفوذاً سياسياً كبيراً، وكوّنوا أعظم قوى مالية في العصور الوسطى.
كانت بدايات فرسان المعبد دينية بحتة. استخدموا السمعة والاستثناءات بطريقة أهلتهم مع الوقت ليصبحوا تنظيماً ظلامياً له أهدافاً شيطانية ضد الأخلاق والمثل التي يحكي بها الدين، موقظاً مشاعر الكراهية والخوف في قلوب المجتمع المسيحي؛ ولا شك أن السجلات التي تعود إلى محاكم فرسان المعبد عام 1307، والوثائق التاريخية التي تؤرخ لحقبتهم تكشف عن ذلك الوجه الأسود للتنظيم.

أثبتت النتائج التي ظهرت من دراسة الوثائق والأبحاث التي أجراها المؤرخون المختصون في هذا المجال، أن فرسان المعبد انحرفوا عن هدفهم الأصلي بعد تأسيس تنظيمهم بوقت قصير، وبدؤوا يتبعون تعاليم فاسدة ومنحرفة، تاركين المسيحية وراءهم. يعتبر فرسان المعبد كل طريقة تقودهم إلى الثراء والقوة شريعة مقدسة ، بينما كانوا يمارسون سراً طقوساً وشعائر تعكس هذه التعاليم الظلامية.
يصف لنا القرآن الكريم أولئك الذين يتخلون عن الأخلاق والمثل الدينية ويضعون أنفسهم تحت إمرة وسيطرة الشيطان بقوله تعالى:


"وَ?تَّخَذُواْ مِن دُونِ ?للَّهِ آلِهَةً ليَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ?لشَّيَاطِينَ عَلَى ?لْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً" [مريم: 81-84].



حافظ فرسان المعبد، ولوقت طويل، على تنظيمهم، وذلك من خلال اعتمادهم على الاستثناءات التي كانوا يحصلون عليها من قبل المؤسسة الباباوية، خاصة في البدايات، إلا أن الانحرافات التي كانوا يمارسونها في طقوسهم السرية لم تلبث أن فُضحت، فقرر الفاتيكان أن يتخذ مجموعة من الاحتياطات طويلة الأمد. في عام 1305 استفاد البابا كليمنت الخامس Clement V من دعم ملك فرنسا فيليب الرابع Philip IV وبدأ بإجراءات استئصال فرسان المعبد.
في الحقيقة كانت تلك نكسة غير متوقعة بالنسبة لفرسان المعبد، فقد أدت التهم الموجهة إليهم إلى خضوعهم إلى محاكمات كانت نتيجتها الإدانة، وبالرغم ن أن الأمر كان مؤلماً، إلا أنه لم يفت في عضدهم، فقد جعلوا منه درساً تعلموا منه زيادة الحرص، وانتهاج المزيد من السرية، والتنظيم، ووضع أسس التنظيم الماسوني التمبلاري الذي ينشط اليوم . خلال هذه العملية تجذرت في نفوس الفرسان مشاعر كراهية عميقة وأقسموا على الانتقام من كل قيمة أو معتقد كنسي كان سبباً في سجنهم واضطهادهم. شكلت مشاعر الحقد والكراهية التي تنامت في أعماقهم تجاه كل ما هو ديني نقطة انطلاق نحو الهدف الذي قرروا الجهاد من أجله: نظام عالمي محارب للأديان.

وأخذ الفرسان، الذين لم يكونوا يعترفون بأي قوانين عدا تلك التي تقوم عليها عقائدهم المنحرفة، يعملون كممثلين للشيطان في الأرض، كما سيأتي شرحه لاحقاً في هذا الكتاب. وكجزء أصيل في طقوسهم ، يعبد فرسان المعبد شيطاناً يدعى بافوميت Baphomet وينكرون الله، رب العالمين. هؤلاء الناس، الذين يعتبرون عملياً قادة أولئك الذين يوقرون الشيطان كرب، تحدث عنهم القرآن الكريم وسماهم "حزب الشيطان":

?سْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ?لشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ?للَّهِ أُوْلَـ?ئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـ?ئِكَ فِي ?لأَذَلينَ " (المجادلة 19-20).

عند بداية أي تحقيق حول فرسان المعبد، يجب التركيز على أهم النقاط في مسيرتهم التنظيمية ألا وهي القوة المالية الهائلة للتنظيم. فرسان المعبد، أو التمبلارز، كما كانوا يعرفون رسمياً، كانوا هم أول المصرفيين العالميين في التاريخ.
ولكن كيف حصلوا على هذه القوة المالية العظيمة؟ ما هو حجم ثروتهم، وما هي الطرق التي يسلكونها لتحصيل هذه الثروة؟ من الذي يمتلك الثروة السوداء التي كونوها عبر القرون، ولأي هدف يستخدموها اليوم؟
تنظيمهم، وخلفاؤه ماسون اليوم، عرضناه في كتابنا الأول "فرسان المعبد"، أما كتابنا هذا فسيعرض لتاريخهم مرة أخرى ويجيب على الأسئلة التي طرحناها لتوّنا. سنكشف هنا الأعمال التي موّلت فرسان المعبد بهذه الثروة غير الشرعية.
الفصل الأول

عقلية فرسان المعبد الصليبية

لكي نفهم حقيقة هوية فرسان المعبد والهدف الذي يعملون من أجله، وكيف وصلوا له، علينا أن نعود إلى حقبة الحروب الصليبية. الذين أوجدوا تنظيم فرسان المعبد هم مجموعة ضمن الفرسان الصليبيين الذين سافروا واستوطنوا في فلسطين تحت ذريعة "تخليص" وحماية الأراضي المقدسة .
عندما بدأت الحرب الصليبية الأولى، كانت أوربا قد بدأت لتوها تودع ظلام العصور الوسطى. كان الفقر ، والجوع والجهل ، والصراع من أجل السلطة والأرض بين الأمراء والممالك الصغيرة وعدد من الإقطاعيين سائداً في تلك الحقبة؛ ومن جهة أخرى، كانت مجموعة من البربر القادمين من الشمال قد حوّلت أوربا إلى قارة لا يمكن العيش فيها. لم تكن التجارة والحرف التي بدأت تظهر لتوها كافية لتحقيق حاجات الناس وتأسيس سلطة قوية في أوربا.


وفي وسط هذه الفوضى، أصبحت الكنيسة الكاثوليكية الهيئة المسيطرة وذات النفوذ الأقوى في المنطقة، مع ما تتلقاه من دعم الكهنة والقساوسة الذين مارسوا نفوذاً عظيماً على العامة.

ومع نوع من المعرفة المتميزة، أحرزت الكنيسة مستوى تعليمي وإدراكي عالي جداً بالنسبة لكل من طبقة العامة الجاهلة، والطبقة الأرستقراطية غير المتعلمة. وبكل الأحوال، فإن سلسلة الباباوات المتعاقبة، رؤساء أكثر المؤسسات تنظيماً في ذلك الوقت، استخدموا هذه الفوائد والفرص لمصالحهم الخاصة منتهجين أفضل الاستراتيجيات. كانوا في بعض الأحيان يبتعدون عن هدف التنظيم، ويركّزون على السلطة الدنيوية، بل إنهم أخضعوا الكثير من الملوك والأرستقراطيين في أوربا لقواعدهم وأحكامهم.
عندما أعلن البابا أوربان الثاني الحرب، كان الفاتيكان في ذروة قوته، مما دعاه للنظر إلى مسألة استرجاع الأرض المقدسة ، والتي أصبحت لعدة قرون تحت الحكم الإسلامي، كواجب ديني. لتفترض أن هدف البابا كان شريفاً من وجهة نظر الكنيسة: أن تصبح الأرض المقدسة تحت السيطرة المسيحية، إلا أن الحقائق تقول عكس ذلك: لم يكن قرار أوربان الثاني في بداية الحرب الصليبية الأولى لم يقتصر على خدمة ذلك الهدف فحسب.

كان التجار القادمون من الشرق يقصّون الكثير من القصص والحكايا حول الثروة الكبيرة التي يمتلكها المسلمون، حول الفاكهة الغريبة التي لم يسمع عنها الأوربيون، حول الملابس المزركشة والكنوز التي ينعم بها الشرق، وهذا كان الحافز الرئيسي التي غذّت الحروب الصليبية.
وضعت الباباوية في ذلك الوقت خطة مركبة من الاحتلال والاستعباد، بهدف الحصول على حصة كبيرة من ثروة الشرق، وبالتالي قوة سياسية أكبر. نتيجة لذلك، استغرق الفاتيكان وقتاً طويلاً للانتصار على منافسيه في أوربا، والذين كانوا أصحاب السلطة المؤقتة. إلا أن الكنيسة، وأثناء هذه المسيرة، تخلت عن النهج السلمي، والتواضع، واللاعنف، هي المبادئ التي كانت تمثل أساسيات المسيحية، بتعبير آخر التخلي عن تقاليد 1000 عام...

وأثناء انتقاء فرسان الحروب الصليبية، كانت الممارسات المخالفة للمسيحية تأخذ مجراها، وهذا ما أعطى الحروب الصليبية سمعتها السيئة الجهل والعنف والوحشية.
ولم تدخر الباباوية جهداً في تطويع كل طريقة ممكنة لزيادة عدد الجنود والموالين، وتجنيد حتى المجرمين والآثمين ممن طردوا من رحمة الكنيسة كجنود في هذه الحملات الصليبية، وذلك بتقدم ضمانات لهم بغفران ذنوبهم (صكوك الغفران ) فقط إذا ما حاربوا من أجل المسيحية.
كان الجهل هو القاسم المشترك بين جموع الجنود التي حشدت لخوض الحروب الصليبية. لم يكن هؤلاء يعرفون شيئأً عن العقائد الأساسية التي يقوم عليها الدين المسيحي، أما عن الإسلام فكان جهلهم مطبقاً!
وهكذا، فإنه على عكس ما هو شائع، لم تكن دوافعهم للانضمام إلى الحروب الصليبية لم تكن دينية أو مثالية مطلقاً، بل كانت من أجل الحصول على حصة من ثروات الشرق، وهنا دخل الملوك والأرستقراطيين المحليين، الذين كانوا منشغلون في صراعات مستمرة، في مغامرة مشتركة، فجمعوا جيوشهم ووحدوا صفوفهم على أمل الحصول على حصة من كنوز الشرق يضيفونها إلى ثرواتهم. كانت هذه الطبقة تعمل من تلقاء نفسها بتفرد، بسبب المنافسين الذين يحيطون بها، وما يعني ذلك من غياب التعاون بين المجموعة؛ في حين شارك الفلاحون والعبيد وخدم الإقطاعيين في الحرب مقابل الحصول على حريتهم.
بين هذه الحروب الصليبيية، كان عدد من أولئك الذين انطلقوا من قبل الكنيسة لخوض هذه الحروب محدوداً بمجموعة صغيرة فقط، مصدر واحد يصف هذه الحالة كالتالي:

يريد الفرسان الفرنسيين المزيد من الأراضي، بينما يأمل التجار الإيطاليين بتوسيع تجارتهم من خلال المنافذ في الشرق الأوسط... عدد كبير من الفقراء انضموا إلى الحملات ببساطة للهروب من الشدة التي تحكم حياتهم.

تعطي الحروب الصليبية انطباعاً عن المحاربين فيها على أنهم غوغاء غير منظمة، غير منضبطة، غير مرتبة أكثر من كونها جيشاً موحداً. كانوا يقومون بأكثر مما كان متوقعاً منهم، حتى أن الحروب الصليبية الأولى شهدت ارتكاب مجازر كبيرة سجلها التاريخ. فبعد غزو القدس مباشرة، قاموا بإبادة أهالي المدينة كلهم تقريباً، والذين كانوا خليطاً من المسلمين واليهود.
تصف الروايات التاريخية الدم الذي سفح في تلك المجازر والتي راح ضحيتها حوالي أربعين ألف نسمة "كان دم حتى الركب". في الواقع، لم كن المؤسسون الأوائل لفرسان المعبد عقولاً على مستوى عال من الثقافة، أو الدراية بتقاليد الكنسية. كان معظمهم مقاتلون جاهلون، سوقيون انضموا إلى الحروب الصليبية لأهداف مثل المغامرة، السمعة، الثروة، والمكانة. مع ذلك، فإن المواقف التي تبنوها بعد تأسيس تنظيمهم الديني بوقت قصير كشف عن أن هؤلاء الأرستقراطيين الفرنسيين المساكين كانوا بعيدين جداً عن المسيحية... يلهثون وراء أهداف أكثر ظلامية. هؤلاء الجنود، الذين عاشوا الفقر، فأورثهم الكثير من الجشع والطمع ، أصبحوا بعد سلسلة من الأحداث أحد أعظم القوى التي تشكل خطراً على أوربا العصور الوسطى.
فرسان المعبد على مسرح الأحداث

كان هدف أولئك الذين انضموا إلى الحرب الصليبية الأولى غزو القدس عام 1099 وهناك نفذوا مجزرة حقيقية.
عندما كان الجنود الذين شاركوا في الحرب الصليبية في طريق العودة إلى أوربا، تخلف عدداً منهم تحت قيادة بعض الأرستقراطيين والجنود الفرنسيين بعد أن قرروا الإقامة في المنطقة.
ظاهرياً، كان الحافز على بقائهم هو القيام على خدمة الحجاج المسيحيين الذين يرغبون في التوجه إلى الأراضي المقدسة وحفظ أمنهم، إضافة إلى نشر المسيحية. وبالرغم من أنه من الممكن أن يكون هذا هو الهدف الذي كان يتبناه حفنة من الرهبان والجنود المثاليون، إلا أننا عندما نتأمل في مخطط الاحتلال بشكل عام نجد أن هذا لم يكن سوى ستاراً للهدف الحقيقي.
وكما أسلفنا، بدأ الاحتلال الغربي للمنطقة مع الحرب الصليبية الأولى، وترافق هذا مع بداية المشاكل بين بعض الغربيين والمسلمين أصحاب المكان، والتي استمرت نتائجها حتى اليوم.
لم تكن الأسباب التي يبديها الصليبيون لمجازرهم التي ارتكبوها في حروبهم الصليبية مقنعة على الإطلاق. عندما كانت القدس تحت سيطرة المسلمين، كانت طرق حج المسيحيين إلى الأرض المقدسة مفتوحة ومؤمنة، وكان سكان المدينة يعيشون فيها بسلام وتسامح على اختلاف دياناتهم. إلا أن هذه الحقيقة لم تكن لتمنع الصليبيين من ذبح المسلمين، واليهود وحتى المسيحيين في تلك البلاد.


تأسست مملكة القدس عام 1099 وانتشر الاحتلال حتى أنطاكية AntiochUrfa. بعد عشرين عاماًً، وتحت قيادة هوغو باينز ، قدّم تسعة من الفرسان الفرنسيين أنفسهم أمام الملك بالدوين الثاني الذي حكم القدس على أنهم، افتراضياً، متطوعون لحماية الحجاج على طرق السفر بين القدس وشاطئ المتوسط.
كلمة "المساكين" التي وردت في العنوان "جنود المسيح المساكين" التي أطلقوها هؤلاء الجنود التسعة على أنفسهم كانت مخالفة لحقيقتهم: كانوا نهمين، جشعين للمال لا حدود لنهمهم، ولم يكن لقبهم سوى ستاراً يخدعون الناس من وراءه. إلا أنهم لم يكونوا يمارسون الخداع من خلال أسمائهم فحسب. لم يغفل هؤلاء عن خلق نموذج من الجنود الرهبان، الذين تركوا وراءهم متع الحياة الدنيا، والأمل في الكسب المادي. وفي جميع الأحوال، كان هؤلاء الفرسان، كما سنرى في الصفحات القادمة، مستعدين للتحول إلى تنظيم مادي معاكس تماماً للتنظيم الديني وقيمه العالية، بل حتى معادي للدين.

قدم الملك بالدوين الثاني ملك القدس للفرسان عدداً من الامتيازات، وأقطعهم الأرض التي أقيم عليها معبد سليمان في يوم من الأيام، بما فيها جبل المعبد، وهو المكان الذي يقوم فيه اليوم المسجد الأقصى.
لا شك أن بالدوين كان لديه ترتيبه الخاص: كانت مملكته في القدس تحت التهديد مع زيادة في نفوذ المسلمين في المنطقة؛ لذلك، كان وجود الفرسان المتمرسين وحراستهم لأمكنة مقدسة خاصة مفيد لمملكته، مع ذلك كان عدد فرسان المعبد قليلاً جداً، وهذا ما جعل الملك بالدوين Baldwin والسيد الأعظم لفرسان المعبد هوغو دو باييز Hugues de Payes يزيدون من عددهم.
وفي النهاية، ومع بداية دعم الباباوية، مُنح فرسان المعبد كل ما يريدونه.

في عام 1127، طلب اثنان من فرسان المعبد مع رسالة تلقياها من الملك بالدوين نصيحة القديس برنارد، الذي كان له نفوذاً كبيراًعلى الباباوية، والذي كان يعتبر واحداً من أهم رجال المسيحية في حياته.
عرف برنارد كواحد ممن يمكن أن يفتح جميع الأبواب، أحد أعضاء تنظيم سيسترسيان Cistercian، أحد أفضل التنظيمات الصومعية في المسيحية، والأعضاء في هذا التنظيم يشغلون مناصب على جانب من الأهمية في الكنيسة الكاثوليكية. فرسان المعبد الفرنسيون هؤلاء الذين تمكنوا من بيت المقدس، كانوا يتلقون الكثير من الدعم من تنظيم Cistercian في فرنسا.

امتدح الملك بالدوين فرسان المعبد في رسالته بشكل مبالغ فيه، شارحاً أهمية حماية الأراضي من قبل الجنود المتدينون المساكين، وطارحاً مطالبهم فيها:
أن تعترف الكنيسة بتنظيمهم، خاصة من قبل البابا، وأن يلقى المساعدة والدعم.

كان الدعم الذي طالما انتظره هوغو دو بينز وإخوانه الفرسان في طريقه إليهم... لقد قبلهم البابا الجديد هونوريوس Honorius هو وإخوانه مع منحهم امتيازات واستثناءات خاصة.


وفي عام 1128، دعا مجلس طروادة الفرسان إلى اجتماع المجلس، حيث حصل الفرسان على الكثير من الفرص، ودعماً مالياً كبيراً. وكهدية من الملك هنري الأول، حصلوا على ثروة كبيرة من الذهب والفضة، إضافة إلى دعم مادي تمثل بمعدات مثل الدروع والخيول قدمه لهم حكام انكلترا واسكتلندا، وفرنسا وفلندا.
وقبل أن يغادر هوغو دو بينز Hugues de Payens انكلترا، افتتح فرعاً لفرسان المعبد في المنطقة وقدم لهم الهبات، وعيّن أحدهم قائداً أو مديراً لهذا الفرع. كانت مهمته حكم المقاطعات الموهوبة لفرسان المعبد، وتحويل مدخولاتها إلى القدس، وتجنيد المزيد من الفرسان وتدريبهم على المسؤوليات الجديدة المناطة بهم، ومن ثم إرسالهم إلى المقاطعات المتفرقة التي تقع تحت حكم التمبلارز – فرسان المعبد. إضافة إلى ذلك، كانت المداخيل الشخصية تمنح لفرسان المعبد من مقاطعات الإمارة، واستثني أصحاب الأراضي من الضرائب الملكية. وهكذا، أصبحت المراحل الأولى من الشبكة قد تمت حياكتها بنجاح.

وحسب سجلات الأنغلو ساكسون، فإن عدد الأعضاء الذين وظفهم Hugues de Payens هوغو دو بينز في التنظيم كان أكبر من عدد الجنود الذين جيّشهم أوربان الثاني في الحروب الصليبية. وعلى كل حال، فقد استقطب التنظيم الكثير من الاهتمام حتى أن مجموعات من الفرسان تم إنشاؤها في جميع أنحاء إنكلترا، كما تم إنشاء فرع لهم في القدس. علاوة على ذلك، شكّل الأمراء وكبار الأرستقراطيين الجبهة الأمامية للتنظيم، بينما كان العامة من الناس يتسابقون لدعمه، والانتساب إليه. حشد فرسان المعبد جميع الامتيازات والتسهيلات البابوية والملكية المتاحة لهم لتوسيع هذه الحملة الدعائية، ودعم الشهرة التي اكتسبوها، وخطوا خطوات أبعد من التجنيد والدعم في التأثير على المجتمع بكافة مستوياته، حتى بلغ نفوذهم الحد الذي أصبح الرجل فيه يوصي عند موته أن يدفن في زي الفرسان المميّز.

في الحقيقة كان المفصل الأكثر أهمية هو الخدعة التي مارسها فرسان المعبد على أرستقراطيي أوربا، وهي أنهم لن يلبثوا طويلاً حتى يصبحوا على جبهة القتال مع المسلمين، وهم بهذا يطلبون دعماً مالياً لحربهم تلك. إلا أن الأموال التي جمعوها في هذه الحملة من نبلاء أوربا لم يمولوا فيها حملتهم العسكرية المزعومة، وإنما حوّلوها إلى صناديقهم المالية، وكانت هذه هي الخطوة الأولى في تكوين ثروتهم غير المشروعة.
يعتبر عام 1127 نقطة تحول في تاريخهم، عندما قام اثنان من فرسان المعبد بزيارة البابا برنارد، وخلال زيارتهم شرح الفارسان للبابا وللآخرين قواعد تنظيمهم العامة، إلا أن معظم الحاضرين لم يكونوا راضين عنها. في هذه المرحلة تسلم البابا برنارد مسؤولية الدفاع عن التنظيم مصرحاً أنه مع القليل من التعديلات والإصلاحات يصبح أكثر انسجاماً مع التعاليم المسيحية. بعد هذه الحادثة بفترة وجيزة كتب البابا "حكم فرسان المعبد الجديد" The New Templars’ Rule تبعاً لمبادئ تنظيمه الخاص سيستريسيان Cistercian، وأعلن أنه سيتحمل مسؤولية التدريب الأخلاقي لفرسان المعبد. وهكذا أزال فرسان المعبد جميع العقبات التي كان من الممكن أن تواجههم وذلك بالحصول على امتياز عرض حساباتهم وشروحاتهم للبابا فقط. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد لأي سلطة غير السلطة البابوية، الحق في محاسبتهم أو إيكال أي مهمة إليهم. ظن البابا مع هذا النوع من الامتيازات، أن توظيفها على المدى الطويل سيكون مفيداً في زيادة القوة الباباوية، ولكنه في الواقع لم يكن يعلم أنه أسس لأرضية خطر أعظم.
دعم الباباوية المطلق



المسيحية دين سماوي يحتوي على كلمات الله، بالرغم من التحريف الذي تعرض له عبر العصور، وبالرغم من أن السلام وصناعة السلام من المواضيع التي كثيراً ما تتكرر في كتاب المسيحيين "العهد الجديد"، إلا أن تاريخ المسيحية قد شهد فترات من العنف والحروب الظالمة التي كانت تدار باسم الدين.
أحد الأسباب الرئيسية لهذا هو المعركة من أجل سيادة البابوية، والتي جرت الفاتيكان إلى عدد لا يحصى من الأدوار السياسية، والنتيجة اتساع الهوة بين الفاتيكان والغرض الأساسي من وجوده:
خلال هذه الفترات، كانت السيطرة على العروش الأوربية على رأس أولوياتها، وبالتالي إحداث تغيير على المدى الطويل.
بدأ هذا مع البابا غريغوري السابع Gregory VII الذي قال أن قوة السلاح يجب أن توظف لحماية البابوية. ومع فكرة أن البابوية هي أعلى هيئة دنيوية، بدأ الباب حركته التي أطلق عليها اسم "الحركة الغريغورية" ودخل في صراع على السلطة مع الحكام الأقوياء في ذلك الوقت.
قبلت السياسات التي انتهجها البابا بالكثير من الحماس وتلقت التعزيز والمساندة المطلوبة . وبالرغم من أن هذه العملية قد زودت الفاتيكان بالمزيد من القوة، إلا أنها كانت أيضاً سبباً في انقلاب الكثير من الملوك والحكام على الباباوية.

فيما بعد، أيّد البابا أوربان الثاني سياسات القوة التي قال بها غريغوري ودعم مذهبه القائل: "العنف مشروع في معركة الدين" – والتي تتنافى تماماً مع قيم وتعاليم الدين المسيحي. وهكذا وضع حجر الأساس للحرب الصليبية الأولى: المبرر الديني.
حمل البابا برنارد لواء الدفاع عن سياساته طيلة حياته، بالرغم من أنها تبتعد عن جوهر المسيحية، بل أنه ذهب إلى أبعد من ذلك فقال أنه: "عندما يقتل فارس المسيح من يقوم بأعمال شيطانية، فهو لا يقتل رجلاً، وإنما يطرد الشيطان".
بعد الحرب الصليبية الأولى، كان البابا وسيلة في إيجاد تنظيم الهوسبيتاليينHospitallers ، التنظيم الأول بين تنظيمات الفرسان . أخذت هذه المجموعة في البداية على عاتقها مهمة خدمة الحجاج القادمين إلى الأرض المقدسة، وتقديم الخدمات لهم وخاصة الخدمات الطبية. ومن أجل إيجاد المزيد من المجموعات الخاصة في الباباوية، لم يكن هذا كافياً، والمطلوب المزيد: أي جيش ينتمي إلى الباباوية هو في الواقع تحت سيطرتها، وبالتالي يمكنهم منافسة جيوش الحكام الأوربيين. وهكذا، كان بإمكانهم أن يوسعوا إمكانياتهم باستخدام السلطة الباباوية، وحماية الممتلكات التي حصلوا عليها، كما كان بإمكانهم أثناء ذلك نشر المسيحية بقوة السلاح.
علاوة على ذلك، ستكون السيطرة على الأراضي المقدسة تحت السيادة الدائمة، وستستمر أعمال الاحتلال تحت سيطرتهم. وضمن هيئة الرهبان الموجهة، كرّست المجموعة التي تحمل أفكاراً شيطانية نفسها لتشكيل جيش يمكن أن ينفذ مخططاتها. ظهر فرسان المعبد تماماً في هذه اللحظة وبدؤوا يدفعون باتجاه أجندتهم السياسية: هدفهم الأساسي.
كل هذا يبين أن زيارة الفرسان لبرنارد كانت جزء هاماً من استراتيجياتهم، خاصة بعد أن أدركوا جيداً أن برنارد هو الوحيد الذي يمكن أن يزودهم بالامتيازات التي يريدونها، من منطلق المنفعة المشتركة.
البابا برنارد لديه الكثير من الأهداف ويخطط لمصالح أخرى للكنيسة. وبالاستعانة بعلاقاته مع النبلاء وبسبب خبرته بالاستراتيجيات السياسية، شغل برنارد وظائف على جانب كبير من الأهمية منذ شبابه، وهذا يعني الكثير من النفوذ ، وهو ما استغله في تنصيب أكثر تابعيه ولاءً كبابا.
كان برنارد يعرف صعوبة تحول القساوسة إلى جنود، وفي الواقع، لم يكونوا بحاجة لفعل ذلك. برأي برنارد كان شراء ولاء المحاربين الذين خدموا في الأراضي المقدسة ليصبحوا أكثر ولاء لمعتقدات الكنيسة خطة سهلة وذكية. مع ذلك تنبأ بوجود عقبة : كيف يمكن تحويل هؤلاء المتوحشون، الجهلة، عشاق العنف إلى فرسان موالين للكنيسة؟ استسلم برنارد للاعتقاد بأنه بالإمكان تطويع هذه المجموعة الجاهلة والسيطرة عليها باتباع سياسات معينة، وهذا ما ثبت أنه كان خطأ فظيعاً، وكان أكثر هذه السياسات شيوعاً الرشوة تحت ستار الامتيازات والتراخيص.
تبع فرسان المعبد السنت برنارد وتبنوا استراتيجياته منذ البداية، واستمروا في وضع مخططاتهم معتمدين عليه. كان برنارد يخطط لتأسيس جيش تبعاً للكنيسة باستخدام فرسان المعبد بالدرجة الأولى، ثم فرسانهم التابعين لهم، وأثناء التخطيط لفعل هذا، كان الفرسان الذين انحرفوا عن قيمهم ومبادئهم الدينية يتوقعون الحصول على الكثير من الامتيازات، والفضل لبرنارد.
في هذه العلاقة المتبادلة فيما بينهم، سيبدو أعضاء التنظيم رجالاً متدينين، تدعمهم الباباوية في تحقيق مصالحهم.
علاوة على ذلك، وبالرغم من أن فرسان المعبد كان قد تم اعتقالهم عام 1307، بعد الكشف عن انحرافاتهم، فإن بعض المجموعات داخل الباباوية حاولوا تبرئة فرسان المعبد هؤلاء وحمايتهم من الاضطهاد.
متيازات لا متناهية!

لم يكن دعم الباباوية مقتصراً على الاعتراف بفرسان المعبد رسمياً؛ فمنذ انعقاد مجلس طروادة، والامتيازات التي حصلوا عليها من الباباوية والكنيسة والأرستقراطيين، أصبح الفرسان يتمتعون بامتيازات لا حصر لها. من بين هذه الامتيازات الحصانة التي كانت على جانب كبير من الأهمية. وبما أن العضو كان ينتسب إلى الكنيسة بشكل مباشر، لم يكن بمقدور أي سلطة، حتى الملكية منها، مساءلته، أو توظيفه في خدمتها، وبديهي إذاً لا يمكنها اعتقاله.
بالإضافة إلى الحقوق الدينية مثل الحق في بناء الكنائس، وتعيين القساوسة، ترتيب طقوس دينية خاصة بهم، وإسباغ ألقاب على أنفسهم يختارونها هم بأنفسهم، كان للفرسان الحق في تأسيس محاكمهم الخاصة لجمع الضرائب وقبول التبرعات والمساهمات. أعضاء هذا التنظيم كانوا مستثنون من أي نوع من أنواع الضرائب، حتى أن الأراضي التابعة لفرسان المعبد كانت معفاة من ضريبة العشر المخصصة للباباوية.
يقدم لنا المؤرخون والباحثون التاريخيون مثل آلان بتلر وستيفان دافو المعلومات التالية:

اكتسحت وثيقة برنارد "في مديح الفروسية الجديدة" المسيحية كالإعصار ، وفي وقت قياسي تزايد عدد فرسان المعبد بشكل مذهل، بينما بدأت تنهال المنح والهبات والأعطيات من مختلف الممالك الأوربية لتصل إلى أبواب فرسان المعبد وبشكل منتظم. وبسرعة كبيرة نمت الفرقة الصغيرة ذات الأعضاء التسع لتصبح ماعرف فيما بعد بتنظيم فرسان المعبد.

عندما قرر الأمراء والملوك والبارونات الوقوف خلف الباباوية، لم يكن لكرمهم حدود: تبرعوا بالأراضي والمزارع، وفي بعض الأحيان ببلدات كاملة ، وحتى مقاطعات، وسهلوا لهم التمويل من خلال تخصيص عدد من المكاتب لهم، عدا عن الهبات والتبرعات الدائمة.

كانت نتيجة الامتيازات اللا محدودة التي وهبت لفرسان المعبد، والتي كانت تعتمد على المصالح المشتركة أن أصبح فرسان المعبد قوة كبيرة لا يمكن السيطرة عليها. بعد التأسيس بفترة وجيزة، تغيرت مواصفات التنظيم الداخلية ومظهره الخارجي بشكل كامل. وهكذا، وضع الفرسان جانباً مهمتهم التي اختاروها لأنفسهم أولاً وهي حماية الأرض المقدسة وبالتالي المسيحية، وبدؤوا يخططون للاستيلاء على أوربا، وهو الهدف الذي يسعون إليه حسب معتقدهم الفاسد.

يتبع ***
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة زرقاء اليمامة » 02 ديسمبر 2010

شكرا لسور الصين على ما قدم
وشكرا لك دكتور أحمد على هذه الإضافة
دمتم ذخرا للمنتداكم
أين هي عيون صلاح الدين
صورة
صورة العضو الشخصية
زرقاء اليمامة
مشرف

مشاركات: 1955
اشترك في: 19 مارس 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل الثاني

مافيا القرون الوسطى: فرسان المعبد



مع إتباع فرسان المعبد لمجلس طروادة، ازداد عددهم بسرعة قياسية، وأصبحوا أقوى سلطة في المنطقة وأكثر تنظيمات الفرسان قوة وضخامة في ذلك الوقت: الكثير من الأموال والتبرعات، جباية ضرائب على المداخيل الخاصة، الدخول في استثمارات رابحة في عدد من القطاعات مثل البناء والزراعة، ورعاية الحيوانات، والملاحة والنقل. بالرغم من ذلك، كانت هذه الفعاليات الظاهرية فقط للاستعراض، أما مدخول الفرسان الأساسي فقد كان من خلال الطرق غير المشروعة. لم تكن الطرق التي كدس بها فرسان المعبد أموالهم لتختلف عن الطرق التي تتبعها الجريمة المنظمة في أيامنا هذه، بل يمكننا القول أنهم كانوا المؤسسين للطرق التي تتبعها المافيا والجريمة المنظمة اليوم.

أصبحت السياسات غير المشروعة التي كان يتبعها الملوك المتوحشون وهؤلاء القساوسة الذين سلكوا طرق الشيطان هي المصدر الرئيسي لدخل الفرسان، فقد منحتهم المزيد من القوة والنفوذ. كانت الطرق الخفية المنظمة التي اعتادوا على استخدامها هي السبب وراء إثراء أعضاء التنظيم الذين أقسموا في يوم من الأيام على البقاء فقراء مساكين، وأن يعيشوا مبشرين كما نذروا أنفسهم، حتى أن ثروتهم فاقت ثروات الملوك؛ هذه الثروة التي حصّلوها من طريق الربا والنهب، واغتصاب السلطات باسم الحرب، والرشوة ، والأعمال السياسية الحقيرة، والضرائب القسرية، واغتصاب امتيازات لا يستحقونها، تجارة العبيد، أعمال احتلال وسلب، تجارة المخدرات التي كانت متوفرة في ذلك الوقت بما فيها الأفيون.
وكما سنرى في الصفحات التالية، أصبح هدف التمبلارز تنظيم ونشر الكثير من أشكال الشر والفساد، مع الاحتفاظ بهدفهم الأسمى وهو توسيع نفوذهم والحصول على القوة التي تمكنهم من السيطرة على الأرض. نقرأ وصف هؤلاء الذين ينشرون الفساد في القرآن الكريم بقوله تعالى:
" أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [ سورة النحل 45-47].

كان الربا هو الطريقة الأولى التي استخدمها التمبلارز أو فرسان المعبد في بناء ثروتهم الخفية. والحقيقة هي أن الربا محرم في المسيحية ومن يقوم بأعمال الربا يتعرض لعقوبة شديدة، لذلك كان الربا في العصور الوسطى حكراً على بعض اليهود. بعض المصرفيين اليهود، من الذين تم استثناءهم من تعاليم العهد الجديد الصارمة، حصلوا على الكثير من المنافع والفوائد من خلال إقراضهم للمال، تمثلت هذه الفوائد بامتيازات كبيرة أسبغها عليهم الملوك والنبلاء الذين وقعوا في حبائل قروضهم السخية ذات الفوائد العالية والتي كانوا يعجزون عن تسديدها.
باختصار حل فرسان المعبد محل المصرفيين اليهود بدخولهم هذا المجال، الذي لم يجرؤ أحداً من المسيحيين على اقتحامه من قبل. استمر فرسان المعبد مع هذه الممارسات المحرمة من خلال فائدة العشر بالمائة التي يحصلونها بصفة "إيجار"، أو "تبرعات". لقد مكنتهم شبكتهم التي أسسوها، والتي تصل إلى جميع مراكز المال الهامة من تحويل المال بأمان بين جميع الديانات، وخاصة بين الأرض المقدسة والعواصم الأوربية الهامة. حجم كبير من هذه الأموال تم حفظه في حصون وقصور التمبلارز، والتي لعبت دور المصارف خاصة في مراكز التجارة الرئيسية وعبر طرق الحج. كل من أراد أن يحول مالاً عليه أن يستثمر أمواله في أقرب مركز لفرسان المعبد ويحصل في المقابل على سند بالقيمة لحامله. عندما يصل إلى محطة الوصول، يمكنه تحصيل المبلغ بعد تسليمه للسند مع نسبة من المال كفائدة، والأمر الأكثر أهمية هو أنهم أبقوا نظامهم الربوي سراً.
في تلك الأثناء، كانت الأموال تستثمر في الفروع الأصلية للتمبلارز بأشكال مختلفة. لقد جمع التنظيم الذي كان يدير أعمالاً خيرية في الظاهر، دخلاً كبيراً من الفوائد التي كان يفرضها على القروض التي كان يقدمها لمختلف طبقات المجتمع، بما فيها الطبقة الفقيرة. هذه الأموال في حساب التمبلارز تستخدم لأغراض لا يعرفها سواهم دون التعرض لمراقبة أو إشراف أي سلطة. وبما أنه لا يمكن لأحد أن يطلب منهم كشف حساب، فقد كان بإمكان التمبلارز تحويل معاملاتهم الربوية إلى هيئة مالية ضمن تنظيمهم التبشيري، إلا أن هذا الأمر لم يكتشف إلا في وقت متأخر، عندها أودى بأصحابها إلى السجن.
خلال الحرب الصليبية الأولى، بلغ مدخول فرنسا 250 ألف وحدة نقدية .
في ذلك الوقت كانت السيولة المتوفرة بين أيدي التنظم في أوربا فقط، باستثناء الأصول الثابتة المتواجدة في 9000 مقاطعة، تقدر بثلاثين مليون وحدة نقدية . وعند مقارنة هذا الدخل مع مستويات الصرف في يومنا هذا، يتوضح لدينا أن فرسان المعبد كانوا يحتكمون على ثروة تضاهي ثروات الملوك وأصحاب العروش. كانت ثرواتهم طائلة، لدرجة أنهم تمكنوا من شراء جزيرة قبرص برمتها بمبلغ وقدره 25 ألف مارك marcs من الملك ريتشارد ملك إنكلترا، وبذلك زادوا من دخلهم من خلال فرض ضرائب ثقيلة على الجزيرة حتى باعوها إلى رجل من لوزينان Guy of Lusignan بعد سنة.
جزء من أموال فرسان المعبد جاء من النهب والسلب . تظاهر التمبلارز أنهم يحضرون للحرب مع العدو، بينما كانوا في الحقيقة يبحثون عن الامتيازات. كان فرسان المعبد يهاجمون العربات غير المحمية، والمقاطعات المسكونة في الأراضي المقدسة والحدود التي يعيش فيها المدنيون في بيوت كبيرة. على كل حال، لم يكن ما يقومون به بعيداً عن أعمال قطّاع الطرق: اغتصاب، سلب، نهب، خطف، وجرائم جماعية...
وأهم مثال على ذلك تعاون التنظيم مع مجموعة من القتلة. فقد عقد التنظيمان معاهدة بقيمة 2000 بيزنطية. هؤلاء القتلة هم الذين دبروا مقتل عدد من الملوك من الذين كانوا يعتبرون منافسون للتمبلارز. فيما بعد تبنى الفرسان نفس طرق هذه المجموعة الفاسدة التي وظفوها وأعجبوا بها .
كان فرسان المعبد متحمسون ومندفعون للسرقة والنهب حتى أنهم سببوا الكثير من الهزائم للمسيحية، وهذا ما تكشف عنه وثائق تاريخية. في الهجوم على أشكلون Aschkelon عام 1150، هُدم حائط المدينة، مما جعل الفرصة سانحة للمسيحيين للفوز بالمعركة، ولكن في هذه اللحظة، أوقف السيد الأعظم دو تريميلي الحروب الصليبية، وترك فرسان المعبد يدخلون المدينة لنهبها أولاً، لدعم ثروتهم التي كانت تشكّل عماد قوتهم، هذه الثروة التي تسببت في هزيمتهم ومن ثم زوالهم. يلوم القس ويليام تير William of Tyre ، المؤرخ المشهورفي تلك لحقبة، الفرسان على لهاثهم وراء طموحاتهم الدنيوية:
"أعطى برنارد دو تريملي أوامره لفرسانه بمنع أي شخص من الانضمام إليهم في هذا الهجوم الأول لأنه كان يريد أن يحتفظ للتنظيم بشرف الانتصار والاستحواذ على المدينة، ومن ثم الحصول على حصة الأسد من الغنائم . "
بعد أن جمع الفرسان من المال ما يضمن لهم سهولة الحركة، بدؤوا ينتهجون أسلوب الرشوة، لتسهيل إنجاز أعمالهم، وهذا ما أوصلهم في النهاية إلى قناعة تقول أنه بإمكانهم الحصول على كل شيء تقريباً من خلال الرشوة: يرشون ويرتشون! عندما كانوا يرغبون في استيطان منطقة معينة وهبت لهم، كانوا يقدمون الرشوة لحاكم المقاطعة بشكل مساعدة، وبهذه الطريقة كانوا يتملّكون المقاطعة مع المزيد من الامتيازات التي يستغلونها في كل ما يخدم مصالحهم.
بعد موت الملك ريتشارد الأول، احتفظ فرسان المعبد بامتيازاتهم وحقوقهم عن طريق تقديم رشوة لوريثه الملك جون عدداً كبيراً من الأحصنة و1000 باوند. لقد شجع شراء نفوذ أرستقراطيي أوربا المساكين بتكاليف بسيطة، وهدايا رخيصة، فرسان المعبد وأعطاهم المزيد من حرية التحرك في أنحاء أوربا. ومع مرور الوقت، اشتُهر فرسان المعبد بالتعامل بالرشوة وتلقيها كنوع من الدخل المادي، وهم بهذا يسيؤون استخدام الامتيازات التي منحتها لهم الكنيسة.
كان النبلاء الذين لا يرغبون في الذهاب إلى الحرب يعوضون ذلك بالتبرع للفرسان الذين يقاتلون باسمهم، كذلك الأمر، كان بإمكان الأرستقراطيين المطرودين أو المنبوذين أن يفتدوا أنفسهم بنفس الطريقة.
من جهة أخرى، كان المجرمون المطلوبون للعدالة بسبب جرائم ارتكبوها، يدخلون تنظيم الفرسان ليحصلوا على الحصانة التي تحول دون مثولهم أمام القانون. من الواضح أن التمبلارز كانوا يسيؤون للامتيازات التي وهبتها لهم الباباوية، وكان هذا يثير غضب الفاتيكان بين الحين والآخر. في عام 1207، أعلن إينوسنت الثالث أن الفرسان قد تمادوا في غيهم، وأنهم أساؤوا استخدام صفتهم ومكانتهم.
كان البابا يبدي استياؤه من أن كل من يمتلك بعض المال يمكنه أن يدخل في التنظيم، وأن أناساً رفضتهم الكنيسة، أو طردوا منها، أو كانوا يراكمون الآثام، قد دفنوا في الأراضي المقدسة... هنا طلب البابا اتخاذ الإجراءات الازمة .
بعد إبرام صفقات في أعمال البناء، والعقارات، والنقل، أساء الفرسان استخدام هذه الأعمال في المضاربة، ونتيجة لهذه المضاربات، ازدادت نسبة الضرائب، والإيجارات التي كانوا يستفيدون منها. كانوا يضاربون أيضاً في المنتجات التي يتاجرون فيها، والمناجم التي ضاعفوا قيمتها بمستوى جيد من المعادن الخام. على سبيل المثال، بسبب أعمالهم وفعالياتهم زادت قيمة الأراضي والممتلكات في إنكلترا. وبفضل امتيازاتهم التجارية، ظلوا يكتسبون المزيد من المال من خلال تصدير الصوف من إنكلترا إلى مختلف أنحاء القارة الأوربية.
لكن هذا لم يكن أكثر من غطاء لعملياتهم. في جمعهم للأموال من الفقراء، كان التمبلارز يدّعون أنهم يقودون حرباً عظيمة باسم المسيحية، إلا أن هذا لم يكن سوى عذراً ليبقوا على منبع التبرعات دفّاقاً. بعد مجلس طروادة، هُزم التمبلارز في حروبهم الثلاثة التي تلته، وهذا كان خلافاً لقصص الأعمال البطولية، التي تروى عادة مع الكثير من المبالغات وتصور الفرسان على أنهم مقاتلون لا يُهزمون. في الحقيقة كانت مهمتهم الأبرياء، والعُزّل، أما عندما لا يكون أمامهم خيار سوى القتال، يكون مصيرهم الخسارة، وذلك لأنهم لا يتجرؤون على صرف ثرواتهم المكدسة على الأسلحة والتعزيزات الدفاعية. بالإضافة إلى هذه العمليات الخفية، انتظم التمبلارز في تجارة الرقيق والتهريب، وعندما كشفت طرقهم في تجارة الرقيق، اضطر البابا لتأنيبهم. وكما هو معروف، لم تكن تجارة الرقيق شرعية في ذلك الحين، وكان يحرم على المسيحيين أن يمتلكوا عبيداً من المسيحيين، لذلك كان فرسان المعبد يختطفون المسلمون الأبرياء عندما يشنون هجوماً على القرى الفلسطينية ويستعبدون الشبان، فإما أن يبيعونهم إلى أوربا أو أن يستبقونهم عبيداً لهم.

فيما بعد، وبفضل التعاون مع البابا والإمبراطورالروماني، فريدريك الثاني، المعروف بصداقته للمسلمين، تم الاستيلاء على ممتلكات فرسان المعبد بالقوة. حرر هذا الإمبراطور مئات العبيد من المسلمين بالرغم من أنه لم يحصل على شيء مقابل ذلك، وهذا ما جعله مكروهاً من قبل الفرسان .
لم تكن تجارة الرقيق من المسلمين كافية للفرسان، بل كانوا يتاجرون أيضاً بالإغريق، والبلغار والروس والرومان (الذين عرفوا فيما بعد بالمسيحيين الأرثوذوكس)، مدّعين أنهم كانوا مسلمين. أبلغ البابا غريغوري التاسع استياؤه من هذه الأعمال السيئة للأسقف السوري وسيد التمبلارز الأعظم؛ مع ذلك تابع التمبلارز جرائم الاستغلال البشري عن طريق تجارة العبيد. لم يمض وقت طويل حتى أصبح الأفارقة مصدراً أساسياً لزيادة مدخول هؤلاء.
إلى جانب هذه الممارسات البشعة، كان فرسان المعبد ينتهجون أساليباً شائنة في الأوساط السياسية، فمن خلال الطرق غير الشريفة حولوا أنفسهم إلى تنظيم غني جداً، ذلك الذي أصبح مع الزمن مصدر إزعاج واستياء للكثيرين. ولم يمض وقت طويل حتى انكشفت الصفة الدينية عن هذا التنظيم، فأساليبهم الدنيئة والشريرة كانت سبباً في الكثير من المشاكل التي عانى منها سكان المناطق التي يطاله نفوذهم. لقد كشفت عقائدهم الفاسدة والمنحرفة، وأسلوب حياتهم الغطاء الذي كانوا يصنعون وراءه شهرتهم ، ليصبحوا في النهاية عبئاً ثقيلاً على المسيحية.

يتبع مع الجزء الثالث
فرسان المعبد يطوقون أوروبا
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل الثالث

فرسان المعبد يطوقون أوربا



اجتهد فرسان المعبد وسخروا كل ما يملكونه من قوة في سبيل تطبيق فكرة سيادة العالم من خلال نظام معادٍ للمسيحية، وجعلها أمراً واقعاً، فكان أول شيء قاموا به، بعد أن تمكنوا من الحصول على الأمان الذي ينشدونه، أن أنكروا صبغتهم الدينية والأيمان التي أقسموها بصفتهم مبشرين، وسرعان ما قرروا استخدام الأموال التي جمعوها في إنجاز المزيد من السيادة . غطت شبكة فرسان المعبد جميع أنحاء أوربا، إضافة إلى موانئ وممرات البحر المتوسط والتي تمثل قلب التجارة البحرية؛ يمكنك أن تجد ما يوازي هذه الأعمال المنظمة فقط في حصون المافيا الدولية في عالمنا اليوم. تسلل أعضاء التنظيم إلى حقل الملاحة (التجارة البحرية)، والتجارة البرية من الدول الشمالية مثل إنكلترا وأيرلندا.
في تلك الفترة، كان فرسان المعبد ينفقون أموالهم التي اكتسبوها من طرق غير مشروعة في عدد من الاستثمارات، أولها شراء الأراضي والبناء؛ أصبحوا خبراء في بناء القصور والكنائس، وتشييد القرى، والبلدات الصغيرة وحتى المدن التي تملكوها. كان تأسيس المقاطعات السكنية طريقة سهلة لبسط نفوذهم وللحصول على مصادر تمويل شرعية مثل الضرائب والأتاوات.
أصبحت العقارات والملاحة البحرية الحقلان الأكثر أهمية لفرسان المعبد بعد الحقل المصرفي. كان السفر عن طريق البر مكلفاً، وصعباً ومحفوفاً بالمخاطر ؛ بينما كانت الممرات البحرية أقل تكلفة وأكثر أماناً، لذلك كان تحقيق سيطرة مسيحية على نقل بحري سريع وآمن بين الموانئ البحرية أمر مربح جداً. ونتيجة لذلك نقل فرسان المعبد شركاتهم من البر إلى البحر، سيطروا على الملاحة وبدؤوا ببناء أسطولهم الخاص مستعينين في ذلك بالفينيسيين Venetians (سكان فينيسيا)، والجنويين Genoese (سكان جنوة).
كانت مرسيليا Marseille في ذلك الحين أهم الموانئ البحرية على البحر المتوسط، وتتمتع بالكثير من الامتيازات البحرية الهامة. إلا أن ثروة التمبلارز لم تكن مقتصرة على مرسيليا، فقد كان التنظيم يسيطر على المراكز الهامة والتجارة البحرية التي تديرها الموانئ الرئيسية اعتباراً من الإسكندرية وحتى طرابلس، ومن أنطاكية وحتى صيدا. وهكذا سيطر الفرسان على طرق النقل البحرية سيطرة تامة، وكان ذلك ما بين 1216-1233، وهذا ما شكل أزمة لدى التجار المستقلين الذين كانوا يديرون تجارتهم البحرية الخاصة.
لعبت الخبرة التي اكتسبها التمبلارز في النقل والتجارة البحرية، دوراً كبيراً عندما اضطر الفرسان إلى التهرب من المساءلة والتحقيق الذي أخضعتهم له الكنيسة والهرب إلى مناطق بعيدة مثل أمريكا ، وغيرها من الأماكن التي احتلوها.
في عام ، 1220 أدرك الملك الروماني فريدريك الثاني الخطر الذي كان يشكله فرسان المعبد على ملك فرنسا، فقد حرّم الملك فيليب الرابع على فرسان المعبد شراء الأراضي بدون قيود، بعد أن تنامت لديه مخاوف من امتلاكهم للبلاد بأكملها. وخلال وقت قصير، حجز فريدريك ممتلكات الفرسان الذين كانوا يقيمون في بلاده ، وألغى امتيازاتهم. أغضبت هذه التصرفات فرسان المعبد، وبالتالي الباباوية، مما حدا بالبابا غريغوري التاسع إلى طرد فريدريك الثاني من رحمة الكنيسة عام 1227، وهكذا أصبح لدى التنظيم فرصة لتعزيز نشاطاته لفترة وجيزة لم يتعرض خلاله لأي مقاطعات.
في عام 1258، اعتلى مانفرد Manfred ملك سيسلي Sicily ،ابن الإمبراطور الروماني فريدريك الثاني، العرش، وأصبح ألبرت دو كانيللا Albert de Canella سيد فرسان المعبد، حاميه الشخصي بعد أن تم إقناعه بإعادة جميع الحقوق التي كانت قد سلبت من التنظيم في عهد والده، وكان لهم ما أرادوا، فلم يكن مانفرد ليقاوم إغراء الرشوة التي قدمت له!
في تلك الأثناء كان التمبلارز ينتشرون عبر القارة الأوربية ويعملون على تأسيس حكومة عالمية داخل الحكومات المحلية. كانت وحدتهم الإدارية وأنظمتهم فعالة في كل مركز من المراكز الهامة في أوربا.
يصف المؤرخ هنري د. فانك Henry D. Funk الوجه الحقيقي للفرسان فيقول:
"لقد ظهروا على أنهم أتباع المسيح المساكين، وهذا ما كان منافياً تماماً للحقيقة. يمكن لأي إنسان أن يرى أغنى أغنياء أوربا، والمصارف الرئيسية من لندن إلى باريس موزعة بين فرسان المعبد: هوف أمير الشامبانيا Hugh Conte de Champagne ، الفونس دو بواتيه Alphonse de Poitiers ، روبرت أوف أرتوا Robert of Artois ، وزراء المال في حقبة جيمس الأول ملك الأراغون، تشارلز الأول ملك نابولي ، المستشار الأول للملك لويس الثاني ملك فرنسا... كل هؤلاء كانوا من فرسان المعبد .
منح التنظيم اهتماماً خاصاً لبعض البلاد والمناطق حيث أسسوا مراكزهم الرئيسية: القدس، طرابلس، أنطاكية، فرنسا، إنكلترا، بواتية، الأراغون في اسبانيا، البرتغال، أبيولا Apulia في إيطاليا، وكانت هنغاريا أولى هذه المناطق. في إنكلترا لوحدها تملك فرسان المعبد 5000 عقاراً. يحكي لنا عن هذا آلان بتلر، وستيفان دافو Alan Butler and Stephen Dafoe:
"نتيجة لذلك أصبح الفرسان أثرياء جداً، حتى أن بعض الحكام في الممالك التي نشط فيها الفرسان كانوا يعتمدون بشكل كامل على دعمهم، لدرجة أن معظم ملوك إنكلترا كانوا يلجؤون إلى رهن الخزانة الملكية لدى مراكز التمبلارز في لندن كوسيلة لتسديد ديونهم الثقيلة التي يدينون بها للتنظيم. كان هذا الأمر ذو فائدة عظيمة للفرسان فقد أمدهم بقوة كبيرة، كان أبسطها امتلاك نفوذ مؤثر في البلاطات الملكية، يصل في بعض الأحيان إلى التدخل في القرارات الملكية، ولم يكن التمبلارز يدخرون جهداً في المشاركة بالتحكيم بين حكام المقاطعات التي كانت ترهقهم الصراعات" .
مصدر آخر يحكي عن الهيمنة الاقتصادية لفرسان المعبد:
"في الحقيقة، يحكي التاريخ أن العرش البريطاني كان مديناً بالكثير لفرسان المعبد.
الملك جون والملك هنري الثالث، الذين استنفذوا اقتصادهم، وقوتهم المالية في الحملات العسكرية في السنوات ما بين 1260 و 1266، بدؤوا يلجؤون إلى فرسان المعبد بالتدريج، يطلبون منهم العون . "
في قصورهم يتعامل الفرسان في السياسة، وفي مراكز المدينة يتداولون المال والأعمال، وهم يسيطرون على الزراعة والماشية والتعدين (المناجم). كان كل مركز من مراكز فرسان المعبد يقوم عليه فارسان أو أربعة فرسان، الأخوة الذين يسيطرون على العمليات البعيدة ويديرونها.
نظامهم يمكن أن نشبهه بشركة متعددة الجنسيات في يومنا هذا. تطور التمبلارز ونموا ليصبحوا تنظيماً كبيراً يحتفظ ببقائه من خلال طرق غير قانونية، يحتفظ بأسراره بكثير من العناية ولا يكشف عن أية معلومة حتى للبابا نفسه.
إلا أنه من الممكن الحصول على مختلف المعلومات عن فرسان المعبد من خلال قراءتها. هناك على الأقل 20000 فارس مع سبعة أو ثمانية من الخدم لكل فارس. تدير هذه المجموعات مختلف أنواع الأعمال تحت سيطرة أعضاء التنظيم، اعتباراً من الملاحة وحتى التجارة، ومن الزراعة وحتى البناء. بعض الحسابات البسيطة تظهر أنه في الفترة التي تعرض فيها فرسان المعبد للاضطهاد، كان عدد العاملين معهم حوالي 160000 شخص . هذا الكادر الذي كان يحيط بأوربا، ويتحكم بجميع منافذ البحر المتوسط، كان أيضاً أقوى تنظيم في العالم آنذاك.
لم يكن بمقدور لا البابا ولا ملك فرنسا أن يصادر ممتلكات التنظيم، التي توسعت حتى غطت مساحة كبيرة جداً. فيما بعد، وعندما هرب التمبلارز من التحقيق، كانت ثروتهم التي تضاهي ثروات الملوك كافية لتقديم الحماية والأمن اللذان يحتاجانها. في هذه الأوقات، كانت طرق الاستغلال التي أوجدوها بداية مثل نظام الاحتلال، الامبريالية، الرأسمالية المتوحشة، والجريمة الدولية المنظمة، التي تم تطبيقها على نطاق واسع.
يلفت مؤلف كتاب "المعبد والمحفل The Temple and The Lodge " انتباه القارئ إلى هذا الموضوع بقوله: "لم تساهم أي هيئة أو سلطة من سلطات العصور الوسطى بتمكين الرأسمالية ونموها وتماديها كما ساهم فرسان المعبد في ذلك" .
أثبتت المحاكم التي شرعت في استجواب فرسان المعبد عام 1307 أن فريدريك الثاني كان محقاً في شكوكه. وبعد سنوات من الاعتقال والتعذيب والإعدامات، مسح التنظيم من الوجود بشكل رسمي من قبل الباباوية. مع ذلك، لم يعجز التمبلارز من الاستمرار بفعالياتهم عبر القارة الأوربية بعد تغيير أسمائهم وهواياتهم.
إذاً، وكما تقول لنا المعلومات والأمثلة التاريخية، لم يكن فرسان المعبد الذين أخضعوا كل أوربا إلى سيطرتهم تنظيماً دينياً يخدم المبادئ المسيحية بأي حال من الأحوال. بل على العكس من ذلك، جميع أعمالهم كانت عكس القيم الدينية تماماً؛ وكما سنرى في الفصل القادم، فإن معتقدات وأفعال هؤلاء الذين كانوا يهيمنون على فرسان المعبد كانت تؤسس لبنية غير مسيحية، لا بل معادية للمسيحية.

يتبع مع الفصل الرابع
الدين المنحرف لفرسان المعبد
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل الرابع

الدين المنحرف لفرسان المعبد



في نهاية المطاف كان أولئك الذين أسسوا لنظام فرسان المعبد الديني، والكثير ممن انضموا إليه فيما بعد، قد ابتعدوا كثيراً عن المسيحية. كان السنت برنارد، أحد أهم الداعمين البارزين للتنظيم، وكان يأمل في أن يحول الفرسان المحاربين إلى جنود موالين للكنيسة، إلا أن خطته انتهت بالفشل. الاتفاقية التي أبرموها زيفاً، والتي ظهرت في البداية لصالح الكنيسة، لم تلبث أن بدأت تعمل ضد المسيحية. كان السبب الرئيسي هو رفض الفرسان للعقيدة التي قدمتها الكنيسة وتحولوا لإتباع نظام مختلف تماماً عن تلك العقيدة.
منذ أن تأسست المسيحية، واجهت الكثير من المشكلات من قبل مختلف الحركات. مرت مئات السنوات قبل أن يتم تأسيس الوحدة المسيحية . خلال هذه الفترة قدمت مجموعة كبيرة من الحركات ابتداء من Gnosticism وحتى Aryanism، ومن Bogomilism وحتى Waldensianism نفسها كبديل للكنيسة الكاثوليكة. وبالرغم من أن الكنيسة كانت تتمكن في نقطة معينة من إخمادها ، بل حتى القضاء عليها، إلا أن سيادة الكنيسة في النهاية وصلت إلى نهاية الطريق، خاصة مع ردود الأفعال التي ظهرت فيما بعد وبلغت ذروتها في فترة "النهضة".
قبل ذلك بفترة طويلة، كانت الكنيسة تسيطر على أوربا بشكل تام وفعّال، إلا أن الفترة التي أحكم فيها الفرسان قبضتهم على أوربا شهدت تكريساً لمعتقدات كنسية مختلفة تماماً لا تزال قائمة حتى اليوم. على سبيل المثال، كان هناك فروق كبيرة في بعض المعتقدات، الطقوس، والعادات بين الأفراد اللاتين الذين سيطروا في تلك الفترة على جنوب اوربا، وأولئك الذين يعيشون في الشمال، خاصة الألمان. السبب الرئيسي الذي جعل سكان أوربا الشمالية - والذين ينحدر منهم معظم فرسان المعبد - يحتفظون بعقائدهم وتقاليدهم الخرافية هو أن ملوكهم كانوا قد أجبروهم على التحول إلى المسيحية، والتي عملوا على إضافة معتقداتهم القديمة إليها.
وهكذا ظهر الكثير ممن كانوا يعتنقون المسيحية ظاهرياً، ولكنهم في الواقع يعيشون عقائدهم التقليدية القديمة، إلى رقعة التاريخ. في فترات العصور الوسطى المظلمة كانت أوربا تعيش حياة من الجهل المخيف، ولم تكن القراءة والكتابة أمر شائع، حتى بين الهيئات التي تنتسب إلى الكنيسة كان هذا قليل جداً. وحيث أن جميع النصوص الدينية كانت تكتب باللاتينية، فإنها لم تكن معروفة من قبل من يتكلمون اللغات القومية – غير اللاتينية – إلا عن طريق السماع.
كان اتصال العوام من الشعب بالكنيسة يتم من خلال السلطات الدينية التي كانت غالباً ما تعاملهم كعبيد، وتفرض عليهم الضرائب والأتاوات، أما هم فقد كانوا يعيشون حياة الأثرياء المترفين ولكن في صومعة!! إلا أن رجال الدين هؤلاء لم يكن لديهم من المعرفة والعلم ما يكفي لخدمتهم في مراكزهم الطبيعية. كانت قبضة السلطة محكمة على الشعب الجاهل الذي كانت تتم تغذيته المعرفية من خلال الأساطير والمعلومات الملفقة، بدلاً من تركهم يعيشون مع كلمات الله الحقيقية.
نتيجة لذلك، كان كثير من الناس يصدقون الحكايات الخيالية التي جاءت من مصر القديمة، وبلاد فارس، والأساطير الهندية، والإغريقية والرومانية، وأساطير الفايكنغ والسلتك، بدون تحفظ. ترجمت هذه الأساطير إلى ممارسات خرافية مثل الشعوذة، واستخدام التعويذات والطلاسم السحرية لشفاء المرضى، وبالرغم من أن الخيمياء (علم الكيمياء) وروايات الثراء السريع عن طريق تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، كانت مستنكرة، إلا أنها كانت توظف بشكل واسع لتحقيق الكثير من الفوائد والمصالح.
بالإضافة إلى الممارسات غير العقلانية، كان هناك معتقدات تتعلق بالغابات الساحرة، والجن، والمخلوقات الغريبة، والوحوش الأسطورية، والأقزام، كل ذلك كان له مكانة هامة في العالم الظلامي.
في تربة كهذه، تجذرت معتقدات فرسان المعبد الفاسدة. يفترض أن فرسان المعبد يدينون بالولاء إلى الكنيسة، إلا أن هؤلاء الفرسان كانوا لا يزالون يحتفظون بإرثهم من المعتقدات الخرافية التي اكتسبوها من مواطنهم الأصلية. علاوة على ذلك، كان تطبيق المبادئ المسيحية في البلاطات الملكية والبيئات الأرستقراطية أكثر مرونة منه بين العامة. لم يكن الملوك والنبلاء يترددون في مخالفة الكنيسة كلما كان هذا يخدم مصالحهم وأهوائهم. دخل هؤلاء في علاقات المصلحة المشتركة مع كهنة الكنيسة.
من جهة أخرى، كانت للمعلومات الاستخبارية التي تصل إلى النبلاء والملوك من مختلف المصادر، والمعلومات التي كانت تحكي عن الأحداث التي تدور خارج البلاد تدفعهم للتشكك في الكنيسة، بل واعتبار رجال الكنيسة من المستويات العليا كمنافسين لهم في السيادة على البلاد.
وقع فرسان المعبد أسرى لأحلام كنوز الشرق العظيمة، والبطولة المطلقة، التي أغرتهم كما أغرتهم النبالة في بلاد القارة الأوربية، ولكن الواقع لم يكن كالأحلام، فقد أصيب فرسان المعبد الذين استقروا في الأراضي المقدسة بخيبة أمل ذريعة عندما فشلوا في العثور على الثروة الهائلة التي كانوا يحلمون بها، حتى أنهم حفروا قواعد معبد سليمان على أمل أن يجدوا الآثار المقدسة التي اعتقدوا أنها ستجلب لهم القوة المطلقة .
ولمواجهة هذا الإحباط الذي أصابهم، صمم الفرسان على تحقيق أهدافهم البعيدة، بدؤوا يوظفون طرقاً جديدة تساعدهم على سيادة العالم.
في تلك الفترة، خضع عدد من أعضاء التنظيم إلى فترة تدريبية، تبنوا خلالها منظوراً جديداً تماماً، هو مزيج من عدة مصادر: السحر والشعوذة اليهودية، الكبالا، جينوستيزم Gnosticism ، ومفاهيم وعقائد القتلة، ومن المجموعات المنشقة عن الكنيسة أيضاً (الهراطقة) مثل الملكيون، الكاثار Cathars ، والباولين Paulines ، وهؤلاء يتلقون التعليمات من الخبراء اليهود ويأخذون عنهم تجربتهم في عدد من المجالات مثل النقل البحري، والتجارة، والهندسة والعلوم.
ومع نهاية هذه الفترة، يمكن تلخيص العقلية المنحرفة التي تشكّلت عند التمبلارز بالنقاط التالية:
1. تأثر فرسان المعبد بالكابالا في الدرجة الأولى، والكابالا هي الصوفية اليهودية التي تستلزم انتقال التقاليد السرية مشافهة. يتطلع بعض الكابالا إلى تأسيس علاقات مع قوى شيطانية، وبشكل مباشر، من خلال استخدام أساليب التأمل، والشعوذة، والسحر. الكابالا بحد ذاتها مجموعة من الكتابات يعتقد أصحابها أو يتخيلون أنها يمكن أن تكون وسائل للسيطرة على قوى الطبيعة، وتحتوي على معلومات حول الأشياء الغامضة، وكيف يمكن تسخير الطلاسم والشعوذات والرموز في حلّها. لقد تم تلقين الفرسان هذه التعاليم والتقاليد.
في ذلك الوقت، كما أسلفنا، كانت هذه الأمور مثل السحر والخيمياء (تحويل المعادن إلى ذهب)، وعلم الفلك تقبل دون نقاش. تعلم فرسان المعبد التعاليم الكبالية من أعضاء الكبالا مباشرة. السبب الذي جعلهم يلجؤون إلى هذه العلاقة المباشرة، هي أنهم يعتقدون أنهم من أجل الوصول إلى غاياتهم المادية يحتاجون إلى مساعدة قوى روحانية.
يلخص ألبرت بايك، أحد أشهر الرموز الماسونية،أهداف فرسان المعبد في كتابه "أخلاق وعقيدة Morals and Dogma ":
وهكذا، كان تنظيم فرسان المعبد في أصوله مخلص لمعارضة التاج الروماني وتيجان جميع الملوك، أما أسرار الكابالا وخرافاتها فكانت محصورة في رؤسائها... من أجل الحصول على النفوذ والثروة، وتدبير المكائد، وإذا لزم الأمر خوض المعارك في سبيل ترسيخ عقائد الكبالا، والغنوستيك Gnostic .

2. إضافة إلى ذلك، وقع فرسان المعبد تحت سيطرة العقيدة المزدوجة التي بدأت مع التقاليد الفارسية، ووصلت إلى ذروتها مع الكاثار في فرنسا. حسب هذه العقيدة المنحرفة، كان الطريق الذي سلكوه من أجل سيادة العالم هو خدمة الشيطان! وهكذا وقع فرسان المعبد تحت سيطرة المذهب الشيطاني، كما هو حال الشيطانيون في عالم اليوم.
وكما أخبرتنا الآية الكريمة: " أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً " [مريم 83 ].

أغوى الشيطان فرسان المعبد، كما فعل ويفعل بالكفار، يغويهم بالأماني الكاذبة، ويضلهم عن الطريق ويقودهم إلى عذاب السعير.
يصف الله تعالى في القرآن الكريم طبيعة الشيطان الذي يغوي الناس ويقودهم إلى جهنم في سورة النساء: " يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً *" [ النساء 120-121].
وفي سورة إبراهيم: " وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ من سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِني كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *" [إبراهيم:22].

وكما هو حال البشر، فالشيطان هو مخلوق خلقه الله وبقي تحت إمرته وسيطرته في كل أحواله. ليس له نفوذ ولا سلطة خاصة به كما تحكي لنا آية أخرى:
" ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً" [النساء 76].

وجعل الله عز وجل من الشيطان وسيلة لاختبار البشر، ووعد الكافرين الذين يتبعون خطوات الشيطان نار جهنم، والجنة لمن اختار طريق الخير وسبيل الله، فيخبرنا بما قاله للشيطان:
قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبكَ وَكِيلاً" [ الإسراء 63 -65]


هذه العقيدة المنحرفة التي تبناها فرسان المعبد قادتهم إلى نوع آخر من الإنحراف: أصبحت المثلية أو الشذوذ الجنسي بين الفرسان أمراً مشروعاً، ففي المحاكمات التي أخضعوا لها في فرنسا، فيما بعد، أثبتت أن هذا كان أمراً شائعاً بينهم.

3. وكنتيجة لكل هذه العقائد المنحرفة، أدار فرسان المعبد ظهورهم لمبادئ وقيم المسيحية النبيلة، وأصبح تنظيماً أسود تماماً لا يهتم إلا بشهواته ورغباته الدنيوية.
العقلية التي كان يتبناها فرسان المعبد، والتي لخصناها هنا، هي التي قامت عليها الماسونية، وسوف تبقى وتستمر لتصبح المنهج الفكري الرئيسي لأولئك الذين يديرون القوة بسرية خلف الكواليس، أما المهندسون، والمهنيون العاملون في هذه الفلسفة التي لا تزال منتشرة على نطاق واسع، والتي لا تبدوا على توافق مع أي دين من الأديان، فليسوا أكثر من ورثة لهذا النظام الديني المنحرف، عبيد الشيطان المخلصون. في الحقيقة، الشيطان هو أصل كل الأفعال الفاسدة والشريرة التي يرعاها فرسان المعبد أو يرتكبوها. في القدس، وقعوا تحت تأثير الفلسفة الشيطانية الملتوية وقبلوا السير في طريقه من اللحظة التي سحرتهم فيها الكبالا وتعاليمها الخرافية. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، يمثل ورثتهم من فرسان المعبد والماسون المجتمعات التي تتبع طريق الشيطان وتعمل على فرض طريق الشيطان المنحرف الفاسد على تفكير العالم.
في الحقيقة، هذا درس ممتاز للمؤمنين من حيث الكشف عن الشر، والنهاية التي تنتظر الذين يتبعون الشيطان. ينذر الله عز وجل في القرآن الكريم المؤمنون أن لا يتبعوه: " يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ منْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكي مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [ النور 21].

إلا أننا يجب أن لا ننسى أن بعض الماسون – من الذين كانوا – ولعدة قرون – تحت تأثير الشيطان - "أصل الشر" ، " والذي يأمر بالمنكر" – يحتاجون إلى مساعدة ليتحرروا. إن استخدام الكلمات اللطيفة، والتسامح، والتواضع، والعاطفة لدعوة الماسون إلى الإيمان بالله، ومساعدتهم للهروب من عالم الظلام هذا، هي مسؤولية ملزمة تقع على عاتق كل مؤمن.
لا شك أنهم سوف يشعرون بالندم الشديد في الدنيا والآخرة عندما يدركون الخسران الذي أصابهم لإتباعهم هذا الفساد الذي استشرى وامتد على مئات السنين.
ولكن عندما يأخذون قرارهم، عليهم التخلي عن تلك الأعمال الشريرة. سيساعدهم الله على إيجاد الطريق الصحيح، وستشرق قلوبهم بنور الإيمان، يشعرون بالأمان والأمن، ويعيشون حياة الحب والخير. لهذا السبب، في اللحظة التي يفهمون فيها الحقيقة، يجب على الماسون أن يهجروا كل الشر وراءهم، ويتخلوا عن المسارات الفاسدة والانحرافات التي كانوا عليها.

يتبع إن شاء الله مع
المكائد البيزنطية
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة أحمد صباح » 02 ديسمبر 2010

شكراً لك دكتور على هذه الموسوعة
أنا السوري ............. وأفتخر
أحمد صباح
Site Admin

مشاركات: 2767
اشترك في: 22 فبراير 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل الخامس

المكائد البيزنطية




بدأ فرسان المعبد الذين استقروا في الأرض المقدسة بالتدريج يتبعون مساراً مختلفاً تماماً عن الهدف الذين قالوا أنهم أسسوا التنظيم من أجله. كان الفرسان مسؤولين عن سلامة الحجاج المسيحيين، وحماية الأراضي المقدسة، وقد أقسموا قسم الموت، إلا أنهم وضعوا كل مهامهم الأصلية جانباً وبدؤوا يتصرفون فيما يتفق مع أهدافهم الحقيقية.
خلال هذه الفترة، أسس التمبلارز 53 مركزاً رئيسياً في مناطق مختلفة، كما أنهم بنوا أسطولهم الخاص، وأسسوا علاقاتهم الخاصة، مع السكان المحليين، واشتغلوا بالتجارة وتبادل المعلومات .
إلا أنهم لم يكونوا يقومون بهذه النشاطات من أجل المسيحية، كما أقسموا، ولكن من أجل مصالحهم الدنيوية الخاصة. لقد حولوا منطقة البحر المتوسط إلى مركز امتيازات تجارية لمصالحهم فقط، وحصلوا على مصادر ضخمة للدخل من خلال تجارتهم مع أوربا والمال الذي اغتصبوه من المنطقة. كان ريعهم السنوي من حصن عكا فقط Acre Castle يقدر بخمسين ألف باوند من الفضة ، أكثر من كل عوائد ملك من ملوك أوربا في ذلك الوقت .
لم يكن يرغب التمبلارز أن ينقسم تنظيم مريح ومربح كهذا، ولذلك كانوا حريصون جداً على تفادي احتمالين قائمين. الأول، والأهم، الشروع في أي حرب قد تؤدي إلى انهيار مصادر التمويل الخاصة بهم، وتتسبب في ضياع بضائعهم وأموالهم التي جمعوها، وتهدد حياتهم. لهذا السبب، وبالرغم من قدرة فرسان المعبد على البطش والقتال، إلا أنهم استخدموا كل قوتهم ونفوذهم للحيلولة دون نشوب أي حرب لأن ذلك يتعارض مع مصالحهم الخاصة.
الخطر الثاني الذي عملوا على تفاديه هو وقوع الأنشطة التجارية التي يديرونها في المنطقة في أيدي ملوك أوربا، أو المنافسين للتنظيم، وخاصة الهوسبيتاليين.
استخدم التمبلارز، سادة الحيل والخداع، حيلهم في حربهم مع منافسيهم من التنظيمات الأخرى. كانت أهم مكاسبهم تتمثل بالدعم الذي تقدمه لهم الكنيسة، إلا أن استمرارية هذا الدعم كانت تتطلب التصرف والسلوك بما يتوافق مع مصالح الكنيسة، بتعبير آخر كان عليهم أن يستعرضوا خبرتهم العسكرية إلى جانب ولائهم للبابا. كانت الهبات والأعطيات تتدفق على صناديقهم مقابل الحماية المزعومة التي كانوا يقدموها والدور الذي كانوا يؤدونه. إضافة إلى ذلك، كانوا يحاولون تفادي أي مسؤوليات إضافية من خلال إعلانهم أنهم يقومون بحماية الأراضي المقدسة، لذلك كانوا قادرين على تكريس كل وقتهم لتنفيذ مخططاتهم، دون التعرض لمراقبة أو مساءلة أحد. إلا أن هذه التصرفات لم تكن لتخفى على أحد، فبعد الاعتراضات التي أبداها البابا غريغوري التاسع، قام بإنذار السيد الأعظم للتنظيم:
"... كان هدفكم الرئيسي زيادة نفوذكم في أراضي المؤمنين، بينما كان عليكم تخليص الأراضي التي نُذرت لدم المسيح من أيدي الكفرة . "
بالرغم من التحذيرات الباباوية، استمر التمبلارز في زيادة قوتهم وامتيازاتهم، بفضل علاقاتهم القوية ومصالحهم المشتركة التي بدأت مع السنت برنارد، واستمرت مع عدد من رجال الكنيسة من المستوى الأول، والكاردينالات والقساوسة.
في ذلك الوقت، كان التعاون السري بين بعض الدوائر داخل الكنيسة وبين فرسان المعبد مستمراً. استاء فرسان المعبد كثيراً من مغادرة الملك لويس التاسع ملك فرنسا على رأس الجيش كقائد الحرب الصليبية لأنهم كانوا قلقون بشأن ما قد يصيب العلاقات التجارية التي أسسوها من ضرر، وبسبب إمكانية تنفّذ الملك في الأرض المقدسة، وبالتالي الكشف عن نشاطاتهم السرية.
لم تكن مخاوف الفرسان بعيدة عن الواقع!...

في عام 1248، تلقى السيد الأعظم للفرسان الذي كان يصر على سياساته الخاصة، والذي قدم عرضاً (صفقة) مقابل التخلي عن الحرب، توبيخاً قاسياً جداً، مع التحذير من القيام بأي تصرف دون إذن ملكي .
طبيعياً، كان الفرسان حريصون على تجنب الحرب، ليس بسبب صفة التسامح، التي لا يتحلون بها، أو لأنهم يحبون المسلمون، ولكن لكي يحموا ممتلكاتهم الخاصة، ومكانتهم، وثرواتهم. من طبيعة هؤلاء الانقلاب على المسلمين، وهذا طبع متجذر في نفوسهم، طالما أنه يخدم مصالحهم. وجد التمبلاز أنفسهم مضطرون للمشاركة في الحرب، التي سيعانون فيها من هزيمة مريعة من أجل حماية مكانتهم ومناصبهم. لقد أثار التمبلارز غضب روبرت شقيق الملك، القائد العام للجيش، في محاولاتهم تأجيل الحرب والحيلولة دون اندلاعها، ما حدا بروبرت إلى توجيه النقد للتنظيم، قائلاً أنه سينتصر في الحرب إذا لم يمنعه فرسان المعبد، الذين كانوا يستخدمون الحروب الصليبية لمصالحهم الخاصة، من دخولها، وقال أنه حتى لو احتل مصر، فإن الاحتفاظ بالوصاية على الأراضي التي تعتبر مصدراً أساسياً لدخل الفرسان الكبير سيكون مشكلة كبيرة.
كان قرار روبرت فيما يخص فرسان المعبد واضحاً: "ماذا يمكن أن ننتظر أكثر من كلام الإمبراطور الروماني فريدريك الثاني، الذي كان على دراية بكذبهم وخداعهم، ولديه دلائل على ذلك؟"
لم يكن الفرسان ليكتفوا بالحيل السياسية لحماية مصالحهم الخاصة، بل تعدوا ذلك إلى افتعال صراعات دامية مع المسيحيين عندما يجدون ذلك ضرورياً، بالرغم من حرمة إيذاء إخوانهم في العقيدة. التنظيم الذي كان يحارب ضد فريدريك الثاني في سيسلي هو نفسه الذي كان يقاتل ضد الملك بوهموند ملك طرابلس في الأراضي المقدسة. نجد في السجلات التاريخية الوصف التالي لهذه الحادثة:
".... كانت هذه بداية الحرب الكبيرة بين الأمير والمعبد والتي نتج عنها الكثير من الشرور" .
كذلك، لعب الفرسان دوراً في الحرب بين الآنجو Anjou والآراغون Aragon ، وفي دعم ملك إنكلترا في حربه ضد ملك اسكتلندا .
كما ترى من خلال هذا المثال، فقد ظهرت طبيعة فرسان المعبد قبل محاكمتهم في فرنسا بوقت طويل. أدرك أرستقراطيو أوربا، الذين أنفقوا ثرواتهم على الأهداف الظاهرية، والتي كانت تتلخص بحماية الأراضي المقدسة، أن كل هذه الجهود كانت نتيجتها صفراً على أيدي فرسان المعبد، وأنهم استخدموها لمصالحهم الخاصة. إلا أن عدداً من الأسباب حالت دون اتخاذ أحكام محددة في حقهم: المصالح المتبادلة مع جهات مسؤولة، الأحداث التي ألمت بالإمبراطور فريدريك الثاني، ونفوذ الكنيسة والدعم الذي كانت تقدمه لأعضاء التنظيم.
مع استمرار المكائد السياسية، بدأ تواجد الصليبيين في الأراضي المقدسة يضعف. أولاً، استرجع المسلمون القدس، وكانت عكا آخر خسائرهم. شكلت الهزائم التي لحقت بالصليبيين في الأراضي المقدسة نقطة تحول في تاريخ أوربا، وكانت صفعة مدوية لملوكها وأمرائها، مما جعل القارة تعيش فترة من الفوضى السياسية، والتوازنات المختلّة! عندما بدأت الحقائق تنجلي، تلاشت مشاعر الثقة بفرسان المعبد لتحل محلها مشاعر الغضب، وبدأ الناس يثرثرون ويتحدثون عن أكاذيب فرسان المعبد وحيلهم التي تدار وراء الأبواب، وعن انحرافاتهم وعلاقاتهم التي تقوم على المصالح المتبادلة، وهكذا فقد فرسان المعبد الكثير من سمعتهم واحترامهم. هذه التطورات شكّلت المناخ الذي كان ينتظره ملك فرنسا فيليب الرابع، الذي وجد أن الظروف قد أصبحت مناسبة للتحرك ضد فرسان المعبد.

نجاح الملك الفرنسي
لم يكن الملك فيليب أول من أدرك الخطر الذي يشكله فرسان المعبد. بعد التأسيس بفترة وجيزة طال النقد التنظيم من مختلف أقطاب المجتمع، ولكنهم كانوا يحيدونها دائماً. تعب العامة من الطرق الملتوية التي كان يتبعها فرسان المعبد للوصول إلى أهدافهم.
أبدى الجنود وقادة الجيش الذين خدموا في الأراضي المقدسة مع فرسان المعبد استياءهم من تصرفات فرسان المعبد، كما أبداها الملوك والنبلاء الذين كانوا يعملون معهم في شبكتهم التجارية، والأشخاص الذين ظلوا مخلصون فعلاً للكنيسة وشهدوا نفاقهم على مر السنين، كل هؤلاء حاولوا الحصول على أحكام تدين هذا التنظيم الظلامي.
إلا أن الداعمين لفرسان المعبد داخل الكنيسة، والذين يعتبرون أعظم قوة سياسية في ذلك الوقت، كانوا دائماً يمنعون الأحكام التي كان يفترض أن تؤخذ بحقهم.
تمكن الملك فريدريك الثاني من معرفة المخططات المستقبلية لفرسان المعبد، وأدرك حجم الخطر الذي يمكن أن يشكلوه، فحقق بعض النجاحات في مواجهتهم بالرغم من حملات التشهير والتهديدات التي كانت تصله من رجال معينون من داخل الكنيسة. إلا أن الضربة القاتلة التي لم يكن يتوقعها فرسان المعبد جاءت من الملك الفرنسي فيليب الرابع.
بعد الهزيمة التي حاقت بالصليبيين في الأراضي المقدسة ، شهدت القارة الأوربية تغيرات هامة؛ وألقيت مسؤولية الخسارة على الكنيسة، وأصبحت هذه المؤسسة التي فقدت بسبب ذلك الكثير من وزنها واحترامها بين العامة، مكاناً مفتوحاً للابتزاز السياسي.
هنا بدأ عدد من القوى يخطط للاستيلاء على هذه المنظمة المتضررة، وذلك عن طريق انتخاب بابا جديد يرعى مصالحها ويحميها. في هذا الجو من الفوضى السياسية، فقد فرسان المعبد الكثير من الرعاية التي كانوا يعملون في ظلها، وأصبحت الشكاوى التي كانت تصدر عن العامة والنبلاء همساً، أصواتاً مسموعة تتعالى كلما سنحت الفرصة؛ وصارت انحرافات الفرسان وجرائمهم مثاراً للنقاش علناً، وهكذا بدأ الحكام يوحدون قواهم في وجه ذلك التنظيم.
كان الفرسان الذين تجمعوا في فرنسا قد انتشروا بشكل واسع عبر الأراضي والممتلكات. وكان تنظيمهم الذي عمل كوصي على خزينة المملكة لعدة سنوات، يجمع الضرائب ويعمل عمل وزارة المالية، لتحقيق هدفه في تكوين ثروة كبيرة، وبالتالي الظهور كقوة ملكية جديدة، أو حتى أغنى من المملكة الفرنسية نفسها.
كانت مراكزهم في فرنسا أهم خزناتهم، التي تحوي على ثروة مزدوجة: ثروة البلاد وثروة التنظيم، كانت خزنة الفرسان هي نفسها الخزنة الملكية، مما يعني أن جميع أموال المملكة الفرنسية كانت تحت سيطرة التنظيم.
حاول الملك فيليب الثالث أن يوقفهم، ولكنه فشل، وبقي فرسان المعبد قادرون على الاستمرار بأنشطتهم. ولم تكن حقيقتهم لتغيب عن وريث العرش الملك فيليب الرابع، الذي كان يدرك تماماً خطورة الموقف. رأى الملك، الذي كان على دراية بمجريات الأمور منذ أيام فريدريك الثاني، أن العقوبات والمحاكمات المؤقتة غير كافية، ولا جدوى من ورائها، وأن من الضروري إيجاد حل قاطع.
قام في البداية بتأسيس علاقات مع الكنيسة، مصدر حصانة فرسان المعبد، وحاول أن يفرض سيطرته على المجموعات المنتفعة، والبابا بونيفيس الثامن Boniface VIII الذي كان يدعي أن الباباوية تتمتع بسلطة أكبر من السلطة الملكية. لذلك استخدم بونيفيس كل قدراته لمواجهة حكام ذلك الوقت، خاصة الملك الفرنسي. بعد صراع طويل والكثير من المكائد السياسية، قرر فيليب تعيين البابا كليمنت الخامس Clement V باعتباره شخصية مرنة ليحل محل بونيفيس، وهكذا بدأ ينكشف ستار الحصانة الذي كان يحتمي وراءه تنظيم فرسان المعبد.
في المرحلة التالية من خطته، جمع فيليب مختلف الاتهامات التي أشيعت ضد فرسان المعبد، وهيّأ الأرضية الملائمة لاعتقالهم:
"اعترف الملك أنه في البداية كان يشك في مصداقية الاتهامات الموجهة إليهم، لأنه كان يشعر أن مطلقي هذه الاتهامات ربما يكون دافعهم الغيرة أو الحسد أو الكراهية أو الطمع أكثر من كونه الخوف على العقيدة والعدالة، إلا أن تراكم الاتهامات، وكثرة الأحاديث المتداولة، جعلت الشكوك والافتراضات تزداد" .
قرر فيليب كشف الحقيقة التي تجلت من خلال الاجتماع مع البابا، وعدد من المحامين البارزين، والقساوسة والنبلاء. وبالرغم من أن البابا كليمنت الخامس كان تحت سيطرة ملك فرنسا، إلا أنه كان يحمل مسؤولية كبيرة وهي رئاسة الكنيسة، والتي تتضمن أيضاً مجموعة قوية من الكاردينالات، وممثلين عن مختلف التنظيمات الدينية، وممثلين عن حكام مختلف المناطق في الكنيسة. أغلبية هؤلاء كانوا يعملون لصالح فرسان المعبد، ويقدمون لهم الحماية بسبب علاقاتهم المالية المتبادلة. من جهة أخرى، شعر المخلصون من الرجال أن الفاتيكان الذي كان يفقد احترامه ومكانته بين العامة بسرعة، سوف يعاني من صفعة قوية بسبب الجرائم التي ارتكبها فرسان المعبد.
وجد البابا نفسه في وضع صعب. لم يكن يريد أن يضحي بهذه القوة الكبيرة التي يملكها (التمبلارز)، ولكنه بنفس الوقت لم يكن يدري كيف يتعامل مع الاتهامات التي صدرت بحقه، ويخشى من إثارة غضب الملك الفرنسي. ولحل هذه المعضلة، استدعى البابا قائد فرسان المعبد/ جاك دو مولاي Jacques de Molay، بالرغم من أن مولاي كان يخطط لحرب في قبرص، وأسند إليه مهمة التحقيق بالاتهامات. بهذه الطريقة رأى البابا أنه يستطيع أن يكسب موقعاً أفضل ويحبط مخططات الملك الفرنسي.
وعلى ضوء التطورات المتتابعة التي شهدتها هذه القضية، ومع الوسائل الإستخباراتية التي يمتلكها الفرسان، عرفوا مسبقاً عن التحقيقات التي سيخضعون لها، وعن مخططات الملك الفرنسي. ولكن، ولعدة أسباب، لم يكن ير فرسان المعبد أنهم في خطر، وعلى رأس هذه الأسباب التنافس بين الكنيسة والملكية، وهذا ما حدا بهم للاعتقاد بأن الكنيسة ستحميهم. من جهة أخرى لم تكن الكنيسة وفرنسا هما مصدرا الدعم الوحيدان للفرسان؛ فقد كان هناك عدة بلدان، خاصة انكلترا، يمتلكون فيها قوة روحية ومادية كبيرة تكفي لحمايتهم. باختصار، كانوا يعتقدون أن العاصفة ستنتهي مع انتهاء التحقيقات، وستتم تبرئتهم، بل حتى أنهم في النهاية سيهزمون ملك فرنسا.
كذلك، كان فرسان المعبد يمتلكون المال الكافي لهربهم، ولجوئهم إلى مناطق أكثر أمناً. إلا أنهم مع ذلك لم يكونوا يريدون أن يستسلموا للهيئات المعادية ويخسروا نفوذهم وثروتهم الضخمة التي جمعوها في أوربا. لم يجلس التنظيم بلا عمل أثناء المحاكمات التي دامت عدة سنوات، بل كان يقوم بالتحضيرات والحساب لجميع الاحتمالات: نقلوا أفراد التنظيم وأصولهم إلى مناطق أكثر أمناً، وحولوا الكثير من ممتلكاتهم العقارية إلى سيولة، وأسسوا الروابط اللازمة للحفاظ على وجودهم في بلاد مثل إنكلترا والبرتغال.
كان من المعروف أن البابا، أو بالأحرى الكنيسة يدعمون فرسان المعبد منذ البداية، والآن يبذل الفاتيكان كل ما بوسعه لإطالة إحراءات المحكمة، إلا أن ملك فرنسا فيليب الرابع أدرك بسرعة ما يجري. بدأ فيليب بالترتيب لاعتقال فرسان المعبد والحصول على برهان واضح واعترافات من الجلسة الأولى. وجاءت نتيجة إطالة فترة التحقيق عكس المتوقع، فقد توافقت اعترافات فرسان المعبد مع الاتهامات القانونية التي وجهت لهم، والتي كانت تتلخص بالنقاط التالية:
1. فرسان المعبد يخفون معتقداتهم الحقيقية عن أخوتهم المخلصين في المسيحية، ويمارسون طقوسهم سراً، ويجتمعون بعيداً عنهم، وهؤلاء غالباً ما يكونون من المستوى الأدنى في التنظيم. يتم في البداية اختبار الأعضاء وتلقينهم المذهب، مستخدمين طقوساً أصبحت فيما بعد عادات الماسونية. المنتسب الذي يقبل أفكارهم، وبالتالي يحصل على الحق بالانضمام إلى هذا التنظيم المنحرف، يكون قد رضي أن يصبح وثنياً، قد رضي أن يصبح عبداً للشيطان. المنتسب مستعد للكفر بالله، وبالنبي عيسى، والمقدسات الدينية، والقبول بالمعتقدات المنحرفة للفرسان؛ خلال عملية التنسيب وبعدها، يقام احتفال تجري فيه طقوس منحرفة تعرف في الكنيسة بـ "قبلة العار" (Osculum infame) ،وتتم على أجزاء معينة من الجسم.

2. تم تنظيم مناطق معينة من القصور التي بناها فرسان المعبد من أجل ممارسة الطقوس السرية. خلال هذه الطقوس يقومون بعبادة عدد من الأوثان، وتماثيل لحيوانات يعتقدون أن لديهم قوى غير عادية، وأنهم عن طريق هؤلاء التماثيل سيحكمون العالم. هذه الأوثان التي كانت تذكر في اعترافات جميع الأفراد كانت توصف بالقطة السوداء، وتمثال للشيطان المعروف باسم "بافوميت Baphomet ، وكان أعضاء التنظيم يقومون بأعمال تثير الاشمئزاز، مثل البصاق على الصليب، الرمز لمقدس لدى المسيحية، وعلى الصور المقدسة.


3. فرسان المعبد لا يجرون أية طقوس أو احتفالات مسيحية ولا يؤمنون بها، في الحقيقة، هم يعتبرون الكنيسة مؤسسة تخدم ديناً هم له أعداء. يستطيع السيد الأعظم أو الأخوة الأقل منه مرتبة أن يغفروا ذنوب الأخوة الآخرين.

4. في طقوسهم الشاذة، يشجع الفرسان، بل ويقومون، بالشذوذ الجنسي. خلال التحقيقات، تبين أن عدداً كبيراً من الفرسان دخلوا في علاقات من هذا النوع، وكثير منهم أجبروا على ذلك، حتى أن السيد الأعظم دو مولاي قد اشترك في هذه العلاقة الشاذة عدد من المرات.


5. يعتبر فرسان المعبد اللجوء إلى الأساليب الملتوية والطرق غير المشروعة، وخرق قوانين الكنيسة من أجل زيادة ثروتهم أمراً مشروعاً.
عندما اكتسبت هذه الادعاءات، والتي كانت الكنيسة لا تزال تعتبرها إشاعات، صيغة واقعية، حرر البابا بياناً يفيد بأن الاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب لا يمكن الاعتماد عليها، وانه يريد استجواب الفرسان بنفسه في بيئة خاصة. إلا أن هذا لم ينتج عنه سوى تعزيز الاتهامات وتثبيتها. فعندما أُخضع 72 فارساً للاستجواب على يد البابا، أقسموا على قول الحق، وأصروا على أن أقوالهم واعترافاتهم التي قدموها صحيحة؛ بتعبير آخر، اعترفوا أنهم كانوا ينكرون أو يكفرون بالمسيح، ويبصقون على الصليب خلال طقوس الانتساب إلى التنظيم، ويقومون بأفعال مشينة موثقة في سجلات الكنيسة. بعد هذه الاعترافات ركعوا على ركبهم وطلبوا الغفران. أبطل هذا الحدث جميع الادعاءات التي كانت قد أثيرت ضد الملك فيليب، والتي كانت تقول أن الملك يشن الحرب على فرسان المعبد لأسباب مالية، بافترائه عليهم تهماً باطلة". علاوة على ذلك، اكتُشف أن الملك، عكس الحملة الشعواء التي شنت للتشهير به، لم يقض على فرسان المعبد من أجل المال، خاصة بعد أن أمر بتحويل أموالهم إلى الكنيسة . خرج الأمر من يد البابا، بل إن الاتهامات التي طالت فرسان المعبد انعكست عليه الآن، وبدأت الإشاعات تنتشر، حتى قيل أن البابا كان يأخذ الرشاوى، ويتعاون مع الهراطقة .
نتيجة لذلك، تم حظر التنظيم في جميع أنحاء أوربا بأمر من مجلس فيينا عام 1312، وتمت معاقبة أولئك الذين تم القبض عليهم. في الثاني والعشرين من شهر آذار من عام 1312 وضع المنشور الباباوي الذي حرره البابا كليمنت الخامس نهاية للتنظيم وذلك بعد الأمر بحلّه:
"... أنصتوا! صوت الناس في المدينة! صوت المعبد! صوت الرب يريد الاقتصاص من أعداءه! النبي مضطر للصراخ: أيها الرب امنحهم أرحاماً عقيمة، وصدوراً جافة. إنهم لا يستحقون لأنهم أشرار، مخادعون. ألق بهم خارج بيتك، وجفف جذورهم؛ لا تسمح لهم بحمل الثمار، لا تدع هذا المنزل يكون موطناً للكراهية أو شوكة في القلب.
"في الوقت الذي كان انتخابي قائماً كحبر أعظم قبل أن أصل إلى ليونز لتتويجي، تلقيت في ذلك المكان - وفي مكان آخر- ملاحظات سرية من السيد الأعظم تنظيم فرسان المعبد ، ومن المعلمين، ومن أخوة فيه ، وضد التنظيم نفسه... لقد شرفت الكنيسة هؤلاء الأخوة والتنظيم بدعم خاص منها وسلحتهم بعلامة الصليب ليقفوا في وجه أعداء المسيح؛ دفعت لهم من أموالها الكثير، وقوّتهم ودعمتهم بالكثير من الاستثناءات والامتيازات؛ وقد لمسوا بأنفسهم الحماية والرعاية التي منحتها لهم بعدة طرق منها الأموال والهبات والممتلكات. لذلك كان ما فعلوه من الآثام ، وعبادة الأوثان، ورذيلة الردة، وممارسة الشذوذ، وغيرها من ممارسات الهراطقة كفر بالمسيح... "
ومع البيان الباباوي الثاني، والذي حرره البابا في الثاني من شهر أيار من نفس العام 1312، تم نقل جميع متلكات وأموال فرسان المعبد إلى الفرسان الهوسبيتاليين. بفضل الملك فيليب ظهرت حقيقة فرسان المعبد، واختفى ذكرهم من التاريخ، ولكن ذلك لم يكن إلا في الظاهر فقط! تم قطع موارد الدخل مما يعني صفعة قوية للقوة التي لا تقهر، والتي أصبحت خارجة عن القانون. إلا أن تأثير هذه الصفعة كان مركّزاً في الأراضي التي تقع تحت الحكم الفرنسي، أما في البلدان الأخرى فقد استطاع فرسان المعبد تغيير أسمائهم وهوياتهم دون أن يتعرضوا لأي ضغوط.

يتبع إن شاء الله مع
فترة إعادة البناء
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل السادس

فترة إعادة البناء



في الوقت الذي اتخذ فيه الملك فيليب الرابع قراره في استئصال فرسان المعبد، كان فرسان المعبد يؤمنون باستحالة تحقيق هذا الهدف . فقد استأصلت المحاكم الفرنسية ذراعاً واحداً من أذرع الأخطبوط، بينما بقيت باقي الأذرع على قيد الحياة. لم يخضع التمبلارز إلى أي نوع من أنواع الضغوط في البلدان الأخرى التي يتمتعون فيها بحضور قوي، مثل البرتغال، إنكلترا، ألمانيا، رودوس وقبرص، وذلك لعدة أسباب:
 التنافس السياسي مع فرنسا
 الاعتقاد بأن البابا يخضع لتأثير الملك الفرنسي
 العلاقات التجارية والمالية التي تربطهم مع فرسان المعبد
 الصراعات بين مختلف الكنائس والمجموعات الدينية
 والسبب الأهم هو اتخاذ فرسان المعبد الاحتياطات اللازمة لمنع تكرار ما حدث في فرنسا على يد الملك فيليب والبابا في البلدان الأخرى

برّأت المحاكمات الفرسان الذين أعلنوا توبتهم ظاهرياً، بينما نجا عدداً غفيراً منهم بانتمائهم إلى تنظيمات أخرى. وبالرغم من إعلان بعض البلدان الأوربية مثل ألمانيا وهنغاريا براءة التنظيم، إلا أن هذا لم يبعدهم عن الخطر المحدق بهم: من جهة فقدت الكنيسة الكثير من مكانتها وسمعتها، بالرغم من أنها كانت لا تزال أكبر قوة سياسية، ومن جهة أخرى كان الهوسبيتاليون، وهو تنظيم آخر متنفّذ، يتعجلون وضع يدهم على ممتلكات وأموال فرسان المعبد.
على ضوء هذه الظروف والأوضاع الصعبة قرر فرسان المعبد الانسحاب والاختفاء في مكامنهم السرية.
بفضل التنظيم القوي الذي أنشأه الفرسان ودعموه وطوّروه على مدى عشرات السنين، لم يجد فرسان المعبد صعوبة في النهوض من الكارثة التي ألمت بهم في فرنسا، وبترتيب أرضية جديدة لإعادة البناء. كانت هذه تجربة جديدة للتنظيم. بعد ذلك، أصبح عنصر السرية على جانب كبير من الأهمية: لجؤوا إلى التورية، واستخدام الرموز، والطلاسم السحرية في جميع فعالياتهم، حتى في تواصلهم مع بعضهم، فهم قد انسحبوا ليستمروا في معركتهم.
نذكر النقاط التالية في تلخيص وضع فرسان المعبد عند دخولهم هذه المرحلة الجديدة:

- كانوا يحتكمون على أكبر القوة المالية العظمى في ذلك الوقت: كان الفرسان يعرفون كيف يغسلون الأموال غير الشرعية، ويتعاونون مع المرابين. وبالرغم من أنهم خسروا بعض أراضيهم وممتلكاتهم والامتيازات التي منحتهم إياها الكنيسة، إلا انهم ظلوا يحتفظون بعلاقاتهم المالية في البلاد البعيدة عن فرنسا، كما احتفظوا بثرواتهم هناك.
الكثير من فرسان المعبد الذين يشغلون مناصب إدارية عليا في الحقول التي يعملون بها ظلوا محتفظين بمناصبهم، أما خسارة 620 عضواً من أعضاء التنظيم في فرنسا، فلم يكن له ذلك التأثير الكبير على التنظيم الذي يبلغ عدد أعضائه 20000 عضواً، وربما أكثر... وبقي التنظيم ينمو ويزدهر.
لم يكن التنظيم أكبر قوة مالية في ذلك الوقت فحسب، بل كان أيضاً الأقوى في مجالات أخرى مثل بناء السفن، التجارة، البناء، والتعدين، وكان دائماً يعمل على وجود فريق إداري على مستوى عالي.
بفضل المراكز الهامة التي شغلوها، كان الفرسان يعرفون أسرار البلاد والكنيسة، واستخدموها لمصالحهم الخاصة عند الحاجة، ومع انسحابهم إلى الجحور تحت الأرض أصبح من الأسهل عليهم توظيف أساليب الابتزاز والاستغلال التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة.
وبالرغم من أن الوثائق الرسمية في الكنيسة قد أقرت استئصال الفرسان، إلا أن حقيقة ما حدث كان عكس ذلك، فقد نجوا من الإبادة التي كنت تتربص بهم، وبقيت قوتهم كما هي مع بعض التغييرات، مثل أنهم أصبحوا أكثر خبثاً، وسرية، وظلامية، وأكثر تنظيماً، وخطورة. في ما مضى، كان فرسان المعبد يعملون جهاراً نهاراً كتنظيم معاد للمسيحية، إلا أنهم الآن أصبحوا يحيكون مكائدهم في الخفاء، يعملون في السر، منتحلين شخصيات وهويات جديدة، ويبنون قوة جديدة من خلال تنظيمات سرية.
في هذه المرحلة، تبنى فرسان المعبد طريقتين مختلفتين. الأولى هي الاستمرار في أنشطتهم تحت هويات مختلفة، والبقاء موالين للكنيسة والملكية في المناطق التي كانوا يتمتعون فيها بنفوذ سياسي كبير مثل البرتغال، واسكتلندا وألمانيا وهولندا، مما يعني المزيد من القوة السياسية، خاصة عند رفدهم بالامتيازات التجارية والسياسية.
أحرزت هذه الطريقة نجاحاً ملحوظاً: فقد طوّروا في هذه البلدان التجارة البحرية ورفعوا مستوى أنشطتهم الاستثمارية إلى أعلى درجة. وهكذا أصبحوا – بفضل شركاتهم الاستثمارية - القوة التجارية العظمى في أوربا. فقد تمكنوا من تعزيز ثروتهم وتنميتها من خلال المضاربة في أسواق المال بالبضائع التي تأتي من البلاد التابعة لهم، ومن تجارة العبيد، والقرصنة.
الطريقة الثانية التي عمل عليها فرسان المعبد هي تأسيس تنظيمات جديدة يستخدمونها كواجهة قانونية، يرفدون من خلالها تنظيمهم بالأعضاء الجدد، ويعملون على نشر أفكارهم ومعتقداتهم. بهذه الطريقة حوّل فرسان المعبد التنظيم إلى تنظيم قوي تحت الأرض، من خلال تأسيس أرضية لتنظيم الروزكروشيين في ألمانيا والماسونية في إنكلترا.

يتبع إن شاء الله مع
البرتغال مملكة فرسان المعبد
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل السابع

البرتغال: مملكة فرسان المعبد



بعد أحداث فرنسا، احتلت البرتغال المركز الأول من حيث الأهمية بالنسبة لفرسان المعبد الذين ركّزوا أنشطتهم في مجالين؛ وبالرغم من أن اسكتلندا كانت موطن الماسونيين، إلا أن البرتغال كانت تمثل القاعدة التجارية لفرسان المعبد ومصدر ثروتهم والقاعدة التي أنشؤوا عليها مراكزهم.
البرتغال هي البلد التي أنشأها فرسان المعبد فعلياً. استقر التنظيم في البلاد وأصبح متنفذاً فيها مع حلول عام 1128، كما بدأ يسيطر على القوة العسكرية والتجارية للبلاد. في عام 1128 منحت البرتغال Teresa of Portugal فرسان المعبد منطقة فونته أركادا، مطلقة يدهم فيها مع كافة الامتيازات الممكنة. في المقابل دعم فرسان المعبد السياسة التوسعية للبرتغال، وكانت تخصص حصة من البلدان التي يتم التوسع على حسابها لفرسان المعبد. قلعة تومار Tomar التي شيدت عام 1160 والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا كانت المركز الرئيسي لفرسان المعبد في البرتغال.

كان لدى ألفونصو ملك البرتغال اهتماماً خاصاً بفرسان المعبد، بل وتعداهم لإلى إلى تنظيم السيسترسيان Cistercian . تراسل مع السنت برنارد ورحب بتنظيمه الماسوني أشد الترحيب. كان قد وضع عدداً كبيراً من رجال الدين والكنائس وعدداً من العقارات تحت تصرف تنظيم السيسترسيان Cistercian. وكما لاحظنا سابقاً، فإن برنارد أقوى رجل في ذلك الوقت كان عضواً في تنظيم السيسترسيان Cistercian الذي كانت لديه قواعد متواضعة جداً فيما يتعلق بالفقر والعزلة. اكتسب هذا التنظيم سمعة نظيفة داخل المؤسسة الكنسية الفاسدة، وجذب عدداً من الأرستقراطيين للانتساب إليه، كما أن بعضاً من باباوات ذلك الوقت تعلموا ضمن هذا التنظيم .

في عام 1294، وبمبادرة من فرسان المعبد، تم التوقيع على معاهدة ويندسور Windsor بين إنكلترا والبرتغال بهدف تحقيق قوة تجاية وعسكرية كبيرة لكلا البلدين. لم يكن للحركة المعادية لفرسان المعبد التي قامت في فرنسا أثراً كبيراً في البرتغال، فقد تمت تبرئة التنظيم في كاستيل – في إسبانيا – وفي البرتغال تحت حكم الملك دينيس، وبالتالي أمكنهم العيش بأمان في شبه الجزيرة الأيبيرية، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك ضغوط ومعارضة للتنظيم. لذلك اتفق الفرسان مع الملك دينيس ليتخلصوا من تلك الضغوط والمعارضة.وكانت هذه الخطة تتلخص بأن يختفي التنظيم من الوجود، ويعيد تأسيسه تحت اسم آخر، ينتسب إلى الملكية البرتغالية. هذا سوف يمنع سقوط ممتلكات الفرسان بأيدي الكنيسة ويسمح للفرسان بالاستمرار في أنشطتهم.
بفضل هذه الخطة أصبح الفرسان تابعين للملك عوضاً عن الكنيسة، ومنذ ذلك الوقت غيّر الفرسان اسمهم في البرتغال من فرسان المعبد Templars إلى تنظيم المسيح Order of Christ. وهكذا أصبح بمقدورهم الآن المضي في أنشطتهم غير المشروعة تحت حماية الملك.
كانت الحماية الملكية تعني الكثير لفرسان المعبد، معها لم يكن مطلوباً منهم الالتزام بأي من قواعد الكنيسة ويمكنهم العمل بحرية أكبر. بعد وقت قصير بدأ الفرسان يتنكرون تدريجياً لمبادئ تنظيمهم القديم، علاوة على ذلك، فقد بقي قسم كبير من العوائد المالية التي حصلوا عليها بفضل الكنيسة تحت تصرفهم. وهكذا تمكنوا تحت الحماية الملكية من تأسيس أقوى وأغنى مجموعة عقدية:
"بعد أن تم محو أثر فرسان المعبد من على الأراضي الفرنسية على يد الملك فيليب الرابع، وتمت مصادرة ممتلكات التنظيم، وعُذّب أعضاؤه وطردوا، وعوقبوا من قبل البابا كليمنت الخامس، عادوا إلى الحياة من جديد في البرتغال تحت اسم جديد هو "فرسان ... المسيح" .
بالرغم من الاضطهاد الذي تعرضوا له في فرنسا، وجد فرسان المعبد في اسبانيا والبرتغال الحرية التي ينشدونها تحت اسمهم الجديد وإدارتهم الجديدة وبدؤوا يتوسعون وينتشرون من جديد. وفي ظل هذه الظروف المناسبة، أعاد البابا جون السابع John XII تنسيب التنظيم باسمه الجديد "تنظيم المسيح" إلى الكنيسة عام 1319 في رغبة منه لإعادة التنظيم إلى حظيرة الكنيسة، وهكذا حصل التنظيم على البيئة المناسبة للانتشار في اسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وحتى في موطنها الأصلي فرنسا. لم تكن الكنيسة تريد أن تخسر فرسان المعبد بقوتهم المالية والعسكرية واللوجستية، فقد كانت في ذلك الوقت تستعد لحرب مع المسلمين في إسبانيا. وهكذا كان احتفالاً بسيطاً أجري للاعتذار من التنظيم كافياً لعودة الفرسان والبدء من جديد.
نقل فرسان المعبد جميع أصولهم وممتلكاتهم بما فيه تلك التي كانت في تومار Tomar إلى تنظيم المسيح الذي أصبح السيد الأعظم له "جيل مارتينز" Gil Martins السيد السابق لفرسان المعبد في إقليم أفيز Avis. ومنذ ذلك الحين، وثروة فرسان المعبد في ازدياد، وهم في سعي لإيجاد المزيد من مصادر الدخل...
تمكن فرسان المعبد بفضل علاقاتهم الواسعة التي أسسوها على مدى قرون من الزمن، وخبرتهم في التجارة والنقل البحري، من تحويل البرتغال إلى قوة بحرية عظيمة، حيث أسسوا البنية التحتية اللازمة لأنشطتهم في الاستيلاء على الأراضي والبلدان. تسارعت هذه الفعاليات البحرية في ظل حكم الملك هنري المعروف بالـ "بحّار". كان الملك هنري، وهو من فرسان المعبد، وقائد التنظيم، هو من بدأ تقليد ملوك البرتغال الذين أصبحوا فيما بعد من قادة فرسان المعبد .
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت البرتغال – المملكة الصغيرة الجديدة – والتي تدار فعلياً من قبل فرسان المعبد، إحدى أقوى الأمم في ذلك الوقت،. وبفضل أنشطتهم الإحتلالية، حكم فرسان المعبد منطقة كبيرة أخضعوها لنفوذهم فكانت أساس إمبراطوريتهم التي امتدت من أفريقيا إلى الهند والصين وحتى ماليزيا، ومن جزر الكناري حتى البرازيل. وتحت إمرة المكتشفين من فرسان المعبد مثل فاسكو ديغاما، تم اكتشاف طرق تجارية جديدة، مما يعني المزيد من الثروة للفرسان . وكتشجيع على المزيد من الاكتشافات والغزوات، أعطي فرسان المعبد وعوداً بمنحهم ملكية مطلقة للأراضي التي يكتشفونها (تحت الحماية البرتغالية طبعاً) .
المال الذي نتحدث عنه هو الثروة التي جمعها فرسان المعبد من الموارد غير الشرعية التي كان التنظيم معروف بها دائماً. كان الفرسان يقتلون سكان الأراضي التي يكتشفونها، الذين لا حول لهم ولا قوة، ويستعبدونهم ثم يستولون على ثرواتهم، أما الأصول التي يستولون عليها في تلك البلاد فيقومون ببيعها إلى أوربا ويضيفون قيمتها إلى رصيدهم المتنامي. لم يكن فرسان المعبد يجدون حرجاً من الاشتغال بتجارة المخدرات والحشيش، وكانت تجارتهم هذه تجري بمستوى عال من التنظيم، لدرجة أنهم تمكنوا في النهاية من تأسيس اتفاق احتكاري للجريمة لم يعرف له العالم مثيلاً منذ ذلك الوقت، إلا فيما ندر. استخدم التمبلارز أسلوب الرشوى على نطاق واسع، وفي طبقات المجتمع الراقية لضمان حق الزاوج وامتلاك الممتلكات، وهكذا أسس التمبلارز الأرضية التي كانوا يتطلعون إليها:
"في حين كانت الحملات الخارجية تمنح الحياة للروح العسكرية للتنظيم، كانت الروح الدينية عندهم في انحدار. في عام 1492 أبدل البابا ألكسندر السادس قسم العزوبية بقسم العفة والطهارة متذرعاً بانتشار ظاهرة العشيقات بين صفوف الفرسان. وهكذا عاد التنظيم من جديد لاكتساب الصفة الدنيوية أكثر من الصفة الدينية، بل وأخذ يكتسب صفة المنظمة الملكية. نجح الأخ أنطونيو من ليزبون، في محاولته الإصلاحية، في إلغاء الحياة الدينية نهائياً بين فرسان التنظيم .
في ظل الإصلاحات الجديدة أصبح التنظيم منظمة لا تعرض مشاريعها إلا أمام الأغنياء والأرستقراطيين، هدفها حقيق نجاحات سياسية واقتصادية، وإعادة صياغة قوانين الكنيسة بطريقة تجعلها متوافقة مع الرأسمالية. (هذه الأفكار، التي ترجع جذورها إلى مئات السنين، والتي ظهرت في الأراضي المقدسة، هي التي شكلت الإطار العملي للماسونية).
وبالاستفادة من تجربتهم في البرتغال، وصل فرسان المعبد إلى ذروة قوتهم في تبنيهم لطريقة الحياة الرأسمالية. في ذلك الوقت، وتحديداً بعد النهضة، أدرك فرسان المعبد أن دور الكنيسة قد ضعف، فعملوا على تكريس ذلك الضعف مستعينين بعلاقاتهم القوية مع المؤسسات الملكية.
كذلك رأى التمبلارز أن تنظيمات الفرسان التي كانت تتبع الكنيسة قد ضعفت بضعف الكنيسة، وهنا قرروا إنشاء مجتمع موازي للكنيسة لا يحمل الصفة الدينية، ولكنه يخدم نفس الهدف. وهكذا تمكنوا من حماية طرقهم وعلاقاتهم التجارية والسياسية من خلال تنظيم جديد يعمل تحت إشراف الأرستقراطيين، ونشر أفكارهم ومعتقداتهم على رقعة أوسع.
هذا التنظيم، الذي اتخذ من إنكلترا مركزاً له، أطلق على نفسه اسم "الماسونية"، وبقي يمثل أخطر القوى التي ظلّت قائمة حتى يومنا هذا، وأشدها نفوذاً.
يتبع إن شاء الله مع الجزء الأهم في الكتاب و هو
أخوة الماسون و فرسان المعبد
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الفصل الثامن

أخوة الماسون وفرسان المعبد




واجه التمبلارز الذين هربوا من فرنسا بعض الصعوبات في إيجاد ملجأ يهربون إليه، إلا أن هذه الصعوبات تذللت عندما عمدوا إلى تغيير هوياتهم وأسماءهم، مما سهّل عليهم متابعة أنشطتهم في جميع أوربا تقريباً عدا فرنسا. لم يواجهوا عقبات في أمور التجارة، ومع تسللهم النقابات الحرفية، أهم الهيئات السلطوية في ذلك الوقت، حصلوا على قوة جديدة.
في جميع الأحوال، كان الفرسان يتعاونون مع النقابات الحرفية، التي كانت مطلباً من مطالب شؤونهم التجارية لسنوات طويلة. لعب التنظيم دوراً كبيراً في إعادة بناء النقابات الحرفية وتطويرها أثناء عملهم في البناء والتجارة وتربية المواشي والزراعة. وبفضل روح التعاون والعمل المشترك بين النقابات والتنظيم الذي كان يسود العلاقات بين الأفراد، تمكنوا من ممارسة الاحتكار في بعض المناطق وفي مناخات معينة. على سبيل المثال، يستطيع منتجو الصوف إنشاء نقابة وإنتاج الصوف وبيعه في منطقة معينة يحددها فرسان المعبد... وهكذا، وفي مساحة زمنية قصيرة، نمت قوتهم وتضاعفت وأصبحوا احتكاراً كبيراً سيطر على مساحات واسعة.

ساهمت النقابات أيضاً بإدارات المدن والبلدات التي كانوا نشيطين فيها، بما يتناسب مع قوتهم المالية. منذ القرن الثالث عشر، برز أعضاء النقابات ليحتلوا مكانة اجتماعية رفيعة، وبذلك تضافرت العضوية النقابية مع الحالة الاجتماعية:
" النقابات هي احتكار إقليمي يتمتع بسيطرة مطلقة على الجودة، والكمية وتكلفة الإنتاج. لقد حصلت على أقوى المناصب السياسية والمالية لأعضائها في المدن في الفترة الأخيرة من العصور الوسطى .
مع حلول القرن الرابع عشر، اعترف عدداً من الحكومات الأوربية بنقابة التجار لغرب أوربا رسمياً، وكان ينتسب إليها أغنى المواطنين وأشدهم نفوذاً في الكثير من المدن والبلدان. في المدن الكبرى، تقوم نقابات التجار بتأسيس دار النقابة، حيث يرعى هؤلاء مصالح أعضائهم، في كل من الأعمال التجارية البعيدة والمحلية. أحكمت النقابات سيطرتها على تجارة وتوزيع الأغذية، والملابس وبضائع أساسية أخرى، وكثيراً ما كانوا يفوزون باحتكار قوي .
ومع التجربة والمعرفة التي حصلوا عليها فيما يخص عددا من الحرف مثل التجارة والبناء والتصنيع، تمكن فرسان المعبد الخارجون عن القانون، الساكنون، الذين تمكنوا من اعتلاء أرفع المناصب مثل "سيّد الحرفيين"، من الدخول بسهولة إلى تلك النقابات. منحت النقابات فرسان المعبد فرصة حماية وتعزيز ما شاؤوا من المنظمات. بهذه الطريقة كانت المنظمة التي أرادت أن تنحي ملك فرنسا قادرة على إحياء نفسها من خلال ارتباطاتها مع الأخوة المقيمين في بلدان مختلفة.
في هذه الفترة، وجه الفرسان انتباههم إلى إنكلترا بعد البرتغال، وذلك لعدة أسباب منها:
- أن انكلترا كانت – بعد فرنسا – البلد التي ذاعت فيها شهرة التنظيم، وتمتع فيها بحرية عمل مطلقة، وكان يتمتع بأرفع درجات التنظيم.
- العلاقات العائلية التي كان يتمتع بها الفرسان مع عدد من النبلاء في إنكلترا ويستفيدون من حمايتهم.
- أن الاضطهاد والقمع الذي تعرضوا له في فرنسا لم ينتقل إلى انكلترا، بل تمت التغطية على جرائم الفرسان هناك.
- أن ملك اسكتلندا روبرت ذا بروس Scottish King Robert the Bruce ، الذي لم يعترف بسلطة الكنيسة الكاثوليكية، فتح أبواب مملكته للفرسان ودعمهم في جميع أمورهم. بالمقابل قدّم الفرسان دعمهم لبروس حيث وجدوا موطناً جديداً يحتمون فيه لوقت طويل يصل إلى 300 عام.

تكمن الأهمية الحقيقية لإنكلترا في ما يخص تاريخ فرسان المعبد، في أنها شهدت بداية الانتقال إلى الماسونية:
"أصبح النظام المصرفي للتمبلارز هو الأساس للنظام المصرفي الذي تطور فيما بعد خلال فترة النهضة. لقد عاد فرسان المعبد الذين لم يظهروا كمؤسسة دينية بعد أن انفرط عقدهم للاتحاد من جديد في ظل طقوس يورك الماسونية ."
وكما أشرنا سابقاً، عندما كان فرسان المعبد يعملون على الهيمنة على العالم، كان هناك محوران على جانب من الأهمية: الأول كان العمل على تحقيق قوة مالية كبيرة بغض النظر عن الوسيلة، لأن القوة المالية هي الطريق نحو الهيمنة على العالم. والثاني، وهو لا يقل أهمية، يتعلق بنشرهم لأفكارهم الهرطقية المنحرفة عن طريق إيجاد أعضاء جدد ينضمون إلى التنظيم. وباستخدامهم لاستثماراتهم التجارية وخبرتهم في المجال التجاري، كان من السهل على فرسان المعبد الحصول على المزيد من الأعضاء لرفد المراكز الرئيسية لتنظيمهم، والتي أسسوها تحت الرعاية الكنسية. وعندما انكشفت هذه الرعاية الكنسية، بدأ فرسان المعبد يعملون بطريقة مختلفة لإيجاد مصادر جديدة ترفدهم بالأعضاء. هنا اختار فرسان المعبد النقابات التجارية لأنها توفر لهم ما يبحثون عنه.
من بين هذه النقابات، كانت نقابات البنائين أكثر النقابات ملائمة لأهداف فرسان المعبد، وكان ذلك لعدة أسباب أهمها المعتقدات السرية التي تعلمها فرسان المعبد في الأراضي المقدسة. فحسب المعتقدات الغامضة التي ترجع إلى الكابالا، والألغاز التي تزخر بها الحضارة المصرية القديمة والروحانيات اليهودية والـفيثاغورثية، فإن عدداً من الرموز والرسومات الهندسية، والأشكال، والأرقام، و الأوثان لها قوة خارقة في السيطرة على الظواهر الطبيعية؛ حتى أن فرسان المعبد يعتقدون أن هذه الصيغ قد وظفها السيد الأعظم حيرام Master Hiram ، وعدداً كبيراً من البنائين في بناء معبد سليمان.
وبناء على هذه المعتقدات والأفكار التي جاؤوا بها من الأرض المقدسة، استخدم فرسان المعبد أشكالاً هندسية وصيَغاً رقمية ورموزاً غريبة في القصور التي بنوها، وخاصة حصن Tomar طومار. كانوا يعتقدون أن عدداً من القوى الظلامية ستساعدهم في مخططاتهم لسيادة العالم. هذه الأمور مجتمعة كانت تدفعهم نحو نقابات البنائين.
يصف الماسون هذه المرحلة من خلال مصادرهم التاريخية:
"تعهد فرسان المعبد أن يمنحوا للبنائين الحرية من خلال جعلهم يتمتعون بالحرية الروحية والجسدية التي يمارسونها في مذهبهم. ولم يكن هناك من شروط لقبول هؤلاء البناؤون في العمل معهم، سوى شرطاً واحداً وهو اختبار القبول. إلى جانب ذلك، أعطوا موثقاً أن يكونوا مخلصين لسادتهم ووظائفهم. وعندما انتشرت الأخبار عبر أوربا أن باستطاعة البنائين العمل بحرية من أجل مملكة القدس، بدأت أفواج البنائين بالتدفق إلى الأراضي المقدسة، وأخذت أعداد العائلات منهم تتزايد. كانت جثامين الذين يموتون منهم هناك تدفن إلى جانب جثامين فرسان المعبد. أخذ البناؤون عن فرسان المعبد، الذين كانوا يقضون جلّ وقتهم معهم، أفكارهم التوسعية وفلسفاتهم المنحرفة. عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، أعيد الكثير من الأوربيين إلى بلادهم. مستفيدين من مهاراتهم التي اكتسبوها في الأرض المقدسة، شرع فرسان المعبد الذين استقروا في أوربا بناء الكنائس ذات الطراز البيزنطي في باريس ولندن وسكوفيا وعدداً من المدن الأوربية، حيث استقر قادة فرسان المعبد. قائد المعبد في لندن بنى كنيسته في شارع فليت مستأجراً البنّائين الذين أتى بهم من القدس، وهؤلاء هم الذين شكلوا نواة الماسونية في لندن. كانت باريس هي المدينة التي مدّت الفرسان بأهم الامتيازات التي حصلوا عليها في بداياتهم، وكانت تتمثل بالاستثناءات الجسدية والروحية التي منحها لهم الملك الفرنسي لويس السادس، وكان جميع البناؤون الذين يعملون هناك يتمتعون بامتيازات الماسون... يقال أنه عندما حكم على السيد الأعظم لفرسان المعبد بالحرق، أراد الكثير من الماسون الخروج لإنقاذه، ولكن، وبما أنهم كانوا غير مسلحين فقد حرقوا معه في نفس المكان. لا يعرف بالتحديد ماذا حصل لما يقارب ثلاثين إلى أربعين ألفاً من الفرسان والماسون الذين كانوا يعملون معهم، كما يقال أن الذين كانوا يختبؤون في المحفل الماسوني التابع لهم تمكنوا من الفرار من فرنسا إلى انكلترا. جزء من هؤلاء أسسوا محفل كيلويننغ Kilwinning الماسوني في اسكتلندا. ويقال أن هذا المحفل مسجل في سجل المحفل الاسكتلندي تحت الرقم 0. وتحت ستار الماسونية أعاد فرسان المعبد تنظيم أنفسهم تحت رعاية روبرت بروس ملك اسكتلندا . هذه الرعاية استمرت وتعززت مع حكم عائلة ستوارت Stuarts .
نفس هذه العملية يمكن قراءة وصف لها في صحيفة نشرها التنظيم الماسوني:
"بعض الفرسان اندسوا في صفوف الماسون ونجوا بحياتهم. البعض الآخر استخدموا وثائق المرور الحرة Laissez passers التي منحت للماسون لمغادرة البلاد.. مجموعة أخرى من فرسان المعبد انضموا إلى تنظيمات أخرى مثل كالترافارا Caltrava ، ألكانتارا Alcantara ، القديس جاك دو لوبيه Saint Jacques de l’Epée بخروجهم إلى اسبانيا، بينما توجه آخرون إلى البرتغال ليؤسسوا تنظيم السيد المسيح، أما الذين توجهوا إلى الإمبراطورية الرومانية الألمانية فقد انضموا إلى فرسان التويتون Teutonic Knights؛ إلا أن القسم الكبير منهم آثر الانضمام إلى الهوسبيتاليين.
بحلول عام 1804، وفي خضم هذه الأحداث تم اعتقال الفرسان في انكلترا واستجوابهم إلا أنهم سرعان ما أطلق سراحهم، علاوة على أنه في بعض البلدان لم يحدث أي نوع من أنواع الانتقال أو الترحيل.
ظاهرياً، طويت صفحة فرسان المعبد من التاريخ بحلول عام 1804 أي إلى أن أصبح برنارد ريموند فابر بالابرات Bernard–Raymond Fabre-Palabrat السيد الأعظم للتنظيم من جديد. اكتشف هذا الشخص في عام 1814 بالصدفة اكتشافاً هاماً. وجد هذا الرجل عام 1814 مخطوطة عند أحد بائعي الكتب المستعملة على ضفاف نهر السين في باريس. في هذه المخطوطة اليونانية يوجد تعليق على إنجيل يوحنا، إلا أن الفصلين الأخيرين كانا قد حُذفا من ذلك الكتاب، وعوضاً عنهما وضعت كتابات مقسّمة بأشكال مثلثية. بعد تفحص هذه الأجزاء لاحظ أن هذه الكتابات لم تكن سوى قائمة بأسماء جميع سادة فرسان المعبد اعتباراً من السيد الأعظم الخامس برتراند دو بلانشفورت Bertrand de Blanchefort (1154) وحتى السيد الثاني والعشرين جاك دو مولاي ، ومن السيد الثالث والعشرين السيد الأعظم لارمينوس المقدسي (1314) وحتى كلاود ماثيو راديكس من شيفلون (1792)Claude-Mathieu Radix de Chevillon . يقال أن جاك دو مولاي أوصى بمنصب السيد الأعظم من بعده إلى لارمينوس المقدسي، وهذا يعني أن فرسان المعبد لم يغيبوا أبداً عن خارطة العالم، والحقيقة هي أن فرسان المعبد هم ماسون اليوم .
لم يجد فرسان المعبد صعوبة في الحفاظ على المحافل الماسونية، وفي نشر معتقداتهم وفلسفتهم وطقوسهم التي كانوا يمارسونها، وكان للنظام الهرمي الذي كانوا يتبعونه في تصنيفهم لرتب التنظيم مثل الحرفي الصغير، والحرفي السيد، والأستاذ... أثراً كبيراً في الإبقاء على تقليد الحفاظ على أسرار المهنة، كما سهلت الروابط الرمزية الدينية للبنيات الطريق أمام الفرسان. لم يمض وقت طويل حتى غيرت النقابات هويتها بالكامل، وعلاوة على بقائها مستملكة تماماً من قبل فرسان المعبد، فقد أصبحت مراكز تطرح من خلالها أفكار فرسان المعبد السوداء، وتحاك المكائد السياسية.
تُخصص الأعمال التي يخرجها الكتاب الماسون عدداً من الصفحات لوصف الملامح الرمزية التي كانت تخص ذلك الاتحاد التاريخي، بينما تبقى الجوانب الأشد سواداً التي ورثها الماسون عن فرسان المعبد خافية غير معلنة. يقول أحد المصادر:
"راقب لو فورستير Le Forestier الموضوع عن كثب، وكانت نتائجه مؤكدة لا تقبل الجدل في أيامنا هذه. الوثيقة الأولى التي تبرهن على المقولة بأن فرسان المعبد هم أسلاف الماسونية هي مخطوطة ستراسبورغ التي تعود إلى عام 1760 والتي تكشف عن شغفهم بالتعاليم الرمزية الغامضة.
هذه الوثيقة تكشف عن الأصل الحقيقي للأسطورة، وتظهر أن أسرار التنظيم انتقلت من جاك دو مولاي إلى الماسونية المعاصرة. " حسب ما يذكره Le Forestier ، فإن نفوذ روز كروا الألماني (الصليب الوردي الألماني) كان هناك بلاشك؛ مع ذلك، لم يكن لهؤلاء أي أهداف سوى إيجاد طريقة جديدة لتفسير التقليد الماسوني السري بشرط انتهاج السرية والإخلاص [مع التشديد على ذلك] .
كشفت التحريات التي جرت حول الأسلوب المعماري الذي ظهر بعد الحروب الصليبية أن مخطط بناء الكنيسة الأولى في أوربا اعتمد الطراز القوطي Gothic style ، وهو طراز معماري يتفرد به فرسان المعبد. في كتابه العلامة والختم، يقول غراهام هانكوك Graham Hancock أن الطراز القوطي ولد مع بناء البرج الشمالي لكاتدرائية تشارترز Chartres Cathedral ، أحد أهم مراكز فرسان المعبد. من أهم خصائص الطراز القوطي الاستخدام المكثف للرموز الكبّالية، التي يتفرد بها فرسان المعبد، في الأبنية التي تقام على هذا الطراز.
مع السيد الأعظم للمعبد، وهو سيد ماسوني أعظم أيضاً، بدأ التطور التدريجي من الماسونية العملية نحو الماسونية التأملية أو العقائدية. كانت الماسونية العملية منظمة مهنية للبنائين. كانت القصور والكنائس والأماكن السرية التي كان يجتمع بها فرسان المعبد كلها من بناء هؤلاء البنائين الذين تم تسجيلهم في نقابات محددة . بعد سلسلة من العمليات بدأت الرموز والشعائر الغامضة والتعاليم والطقوس المنحرفة التي كانت سائدة في محافل فرسان المعبد تهيمن على محافل الماسون. بعد هذه العمليات انتهى دور النقابات كمنظمات مهنية، لتصبح منظمات سرية لفرسان المعبد. هذه المنظمات السرية بدورها تحت اسم "الماسونية التأملية". لم تعد هذه النقابات تتبع البناؤون، وإنما أصبحت أماكن يلتقي فيها الإداريون من الدرجة الأولى مع الأغنياء من التجار والنبلاء برعاية فرسان المعبد ومن أجل أهدافهم.
إضافة على ذلك، يعتبر اشتراك البنّاؤون (الماسون) مع فرسان المعبد في المراكز الرئيسية، بالرغم من أن كل حرفة من الحرف الأخرى لها مراكزها الرئيسية الخاصة بها، جديراً بالملاحظة نظراً للعلاقة الحميمية بين المنظمتين. عندما حظر البابا تنظيم الفرسان عام 1312، خسر الماسون أيضاً حقهم في حرية الحركة، وهذا ما دفعهم إلى الهرب من فرنسا إلى ألمانيا حيث وصل طراز البناء القوطي فجأة إلى الذروة. تحولت محافل الماسون البناؤون، التي تمكن فرسان المعبد من اللجوء إليها بعد هربهم من فرنسا، بالتدريج إلى مراكز للماسونية التأملية (العقائدية).
تشارك فرسان المعبد مع الماسون في قواعدهم أيضاً. حاولنا أن نوضح من الصفحات السابقة أن نظام المعبد ونقابات الماسون، التي عاشت جنباً إلى جنب لمدة قرنين من الزمن، كان لهم تأثيراً متبادلاً كبيراً على بعضهم. التشابه بين طقوس الماسون وطقوس فرسان المعبد يصل إلى حد التطابق، مما يدل على أن الطقوس والشعائر الغامضة الماسونية تتطابق مع تلك التي كان يمارسها فرسان المعبد، وما كان يبدو في الظاهر على أنه تنظيم مستقل تماماً، إنما هو في الحقيقة إرث فرسان المعبد.
في تلك الفترة، بدأت إعادة بناء المحافل التي سقطت في أيدي فرسان المعبد وتحويلها إلى ملاجئ للمجتمع السري. هيأ الفرسان المحافل الماسونية لتتناسب مع تعاليمهم المنحرفة، البنية التنظيمية والرموز، والطقوس والرموز الشيطانية التي أصبحت تعرف فيما بعد بالطقوس الماسونية.
تاسس المحفل الاسكتلندي، وهو أقدم فرع ماسوني، على يد فرسان المعبد الذين كانوا يبحثون عن ملجأ في اسكتلندا في أوائل القرن الرابع عشر، وشكّلوا من خلاله نموذجاً للمحافل المحلية الأخرى.
في الواقع، لوحظ أن الأسماء التي أعطيت للموظفين من الدرجات الرفيعة في المحفل الاسكتلندي هي نفسها الأسماء التي أعطيت لفرسان المعبد قبل ذلك بعدة قرون، وقد تم الحفاظ على هذا التقليد حتى يومنا هذا. نقل البارون كارل فون هوند Karl von Hund أحد القادة الماسون في القرن الثامن عشر دراسة مفصلة عن المحفل الماسوني وفرسان المعبد، ووصف المحفل الماسوني بـ "نهضة/ إصلاح" فرسان المعبد (التمبلارز):
" علاوة على ذلك، وحسب التقليد الماسوني، كان مؤكداُ أن المحافل الماسونية في تلك الفترة قد عقدو صفقة من نوع ما مع فرسان المعبد... فيما بعد وجدوا أنفسهم آمنين تحت مظلة روبرت بروس ، وبعد سبع سنين قاتلوا تحت لوائه في بانوكبورن ضد إدوارد الثاني الذي قضى على التنظيم في إنكلترا. بعد هذه الحرب أسس بروس التنظيمات الملكية التي عرفت باسم حيريدوم Heredom اختصاراً H.R.M و فرسان الصليب الوردي R.S.Y.C.S .... ويروى أنه في عام 1314 قام روبرت بروس بتوحيد فرسان المعبد و التنظيم الملكي H.R.M والمحافل الماسونية ليشكلوا قوة متحدة ضمن المحفل المشهور كيلوينينغ Kilwinning الذي أضيف إليه اسم حيردوم والذي أصبح المركز الحقيقي للتنظيم الذي أسس عام 1286.
اسكتلندا إذاً هي موطن الماسونية الفاعلة. عندما نتأمل في المواهب والقدرات التي قدمها فرسان المعبد في البناء، نستطيع أن ندرك أنه من الطبيعي اتحاد المجموعتين... اتحاداً مثمراً بين المحفل الحرفي لسادة البنائين من العصور الوسطى ومجموعة سرية تتميز بقدرات السحر والشعوذة...
يصف لوري Lawrie، وهو ماسوني من الدرجة الرفيعة، في كتابه "معجم الماسونية" Lexicon of Freemasonry الوضع بقوله: "نعرف أن فرسان المعبد لا يتميزون بالسرية والغموض فحسب، بل إنهم يؤدون المراسم والاحتفالات ويرسخون واجبات الماسون .
استمر المحفل الاسكتلندي الذي أسسه فرسان المعبد مع بعض التغييرات، ليكون أساس الماسونية المعاصرة. لقد أصبحت الطقوس والشعائر والرموز والأهداف الذي يسعى إليها التنظيم، تقاليد ثابتة لا يمكن تبديلها. وبالرغم من انتشارها في أنحاء العالم وتفرعها إلى عدد من الفروع، إلا أن فلسفة فرسان المعبد الأصولية التي قامت عليها الماسونية لم تتغير، الذي تغير هو الشكليات التي كان تغيرها من ضرورات التكيف مع التطورات اليومية : ".... من بين الحركات الأكثر أهمية التي نتجت عن إرث المحفل الاسكتلندي، محفل "التعاليم الصارمة" ‘Strict Observance’الذي أسسه فون هوند، حيث يطلق على أعلى مرتبة فيه اسم "الفارس المعمّد" ‘Professed Knight,’، والذي انتشر بسرعة في جميع أنحاء أوربا .
وكما تفيد هذه الأمثلة، فإن الفرسان قد ملكوا سلاحين هامين. فكما حصل معهم في البرتغال، استطاعو تسخير أموالهم بعدد من الطرق ضمنت لهم حرية التحرك، كما أنهم تمكنوا من تأسيس تنظيم قوي لنشر وتوظيف أفكارهم ومعتقداتهم.
يمكننا معرفة ما يخطط له فرسان المعبد تحت غطاء الماسونية، الذي اتخذوه ستاراً، عندما نلخص فلسفة فرسان المعبد التي استعرضناها. العنصر الأول والأهم هو عداء فرسان المعبد للدين، لأن فلسفة التمبلار – الماسون لا يمكن أن تتفق بأي شكل من الأشكال مع القيم الروحية للدين.
يعتبر فرسان المعبد القيم الدينية عقبة أساسية أمام انتشار فلسفتهم المنحرفة في العالم، لذلك هم يجاهدون لمحو الأديان من خارطة العالم. كانت خطتهم واضحة: الهيمنة الروحية والمادية وسحق أي عقبة يمكن أن تقف في طريقهم إلى هدفهم. في نفس الوقت كان فرسان المعبد يدركون أن هذا لم يكن أمراً سهلاً وأن هذا سيأخذ وقتاً طويلاً لوضعه موضع التنفيذ، ووفقاً لذلك وضعوا استراتيجياتهم.
ولكن، لايهم... مهما بلغت مكائد تلك التنظيمات، ومهما تكن أساليبهم الخادعة والمضللة، فالفشل هو ما سيجدونه في نهاية الطريق. الله عز وجل يثبت لنا هذا في القرآن الكريم:

" وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ" [ النمل 50-53].

كذلك يكشف لنا الله أن الكافرين سوف يدمرهم كيدهم :

" أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم من مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [ الطور 42-43].


فلسفة التمبلارز وعمل الماسون
كان اهتمام فرسان المعبد طيلة الثلاثمائة عام - وإلى أن قويت شوكة المحافل الماسونية واشتد عودها في القرن الثامن عشر - منصباً على العمل المنظم ضد الكنيسة مع الكثير من التركيزعلى فعالياتهم التجارية. أفلحت جهودهم الاحتلالية، التي وصلت ذروتها في البرتغال، فنتج عنها رمزين عملاقين للهيمنة وهما شركتي الهند الشرقية والهند الغربية. كانت الأسهم التي تحررها أياً من الشركتين تعتبر مصدرا أساسياً للدخل. بلاداً أخرى تبعت نهج البرتغال وإنكلترا واسبانيا في السياسة الاحتلالية، مثل إيطاليا، ألمانيا، فرنسا وهولندا، وبدات تعمل في تأسيس البنية الرأسمالية في أوربا.
خلال تلك الفترة، بدأت الفعاليات المصرفية والمرابون اليهود يندمجون بالمؤسسات المصرفية، متخذين من إنكلترا وهولندا مركزاً لنشاطاتهم المالية. برز التمبلارز كتجار ومصرفيين أثرياء، نبلاء لهم نفوذهم وحضورهم في القصور الملكية، وسياسيين يحكمون قبضتهم على نبض العامة من خلال محافلهم المحلية. نتيجة لهذه السنوات الطويلة من الحروب الدينية ، أصبح العالم المسيحي مجزّأً إلى عدد من المناطق البروتستانتية المختلفة، بينما وصلت هيمنة الكنيسة الكاثوليكية المطلقة إلى نهايتها. لقد فقدت الكنيسة سيطرتها على الأمم الشمالية، وخاصة تلك التي كانت البروتستانتية متنفذة فيها، وأصبحت مؤسسة تجتذب كل انتقادات العالم.
ويسبب نظرتهم التوسعية، لعبت هذه البلاد دوراً هاماً في تأسيس الفلسفة المادية الرأسمالية، التي كانت الكنيسة تدينها سابقاً باعتبارها تخالف القيم الدينية، وبشكل خاص، كان رفع الحظر عن الفوائد له أثراً مثيراً على تلك الأنشطة.
أدت هذه الظروف إلى تقوية الحركات المعادية للدين، التي لم يكن فرسان المعبد يجدون صعوبة في فرض فلسفاتهم المنحرفة عليها. شهدت هذه الفترة الكثير من التغيرات التي طالت معظم أساليب الحياة العامة، كما تغيرت خارطة العالم الاقتصادية مع تطور العقلية الرأسمالية.
حاولت دوائر فرسان المعبد- الماسون تمزيق المؤسسات الكنسية، وبث تعاليمهم بين الناس مع التمسك بفكرة العمل المنفرد من أجل الفوز في الحياة الدنيا، وليس من منطلق أنهم سيحاسبون على أعمالهم في الآخرة. وهكذا تشجع الناس على العمل بلامبالاة ودون الشعور بالمسؤولية، وتنامى الشعور بالأنانية، وتدهورت المشاعر الإنسانية، وأصبحت العاطفة، والتعطاف ، والتضامن نقاط ضعف لا ينبغي العمل على تنميتها. هذه المفاهيم تم دعمها من قبل النبلاء والفلاسفة ورجال الدولة والفلاسفة الذين ينتمون إلى نفس المجموعات الظلامية.
هؤلاء الذين يتبنون فلسفة العداء للدين ولقيمه وتعاليمه الملتزمة، والذين خرجوا من المحافل، أصبحوا بسرعة قوة سياسية قادرة على إثارة أحداث كبيرة مثل الثورة الفرنسية. كان الأساس المشترك لهذه الفعاليات الطريقة التي اتبعت لتشجيع الناس على الابتعاد عن قيمهم ومثلهم الدينية والعيش للدنيا بشكل كامل. هذا الوضع كان خطيراً للغاية، ويمكننا أن ندرك درجة الخطورة بشكل أفضل عندما نرى كيف انقلبت المجتمعات الأوربية إلى مجتمعات لا دينية فيما بعد.
وكما رأينا في الفصول السابقة، كان فرسان المعبد يعتبرون السحر والشعوذة كوسائل للحصول على القوة، وبناء على معتقداتهم البدائية، هم يرون أنه من السهل تكوين ثروة من خلال استخدام طرق كهذه. إلا أن سنوات طويلة من دراسة السحر والخيمياء لم تسفر إلا عن فشل في انتاج القوة التي يريدون. ومع الثورة الصناعية والتغيرات التي جاءت بها الثورة التكنولوجية، استبدل السحر والشعوذة بالعلم والتكنولوجيا، وتكيف فرسان المعبد مع هذه البدائل، وبدؤوا بتوظيف العلم كبديل للطرق التي عفا عليها الزمن، مثل الخيمياء، لتحقيق أهدافهم العقائدية. وكما هي الحال في مجالي السياسة والمجتمع، بذل فرسان المعبد الكثير من الجهد للتنفّذ في قطاعات الطب والهندسة والعلوم البيولوجية بتطبيق المفاهيم الرأسمالية عليها، وذلك لوضعها ضمن إطار تبدو من خلاله متعارضة مع الدين.
لعبت الدوائر الماسونية – التمبلارية دوراً رئيسياً في تشكيل العقلية المادية، وتهيئة العقول لقبول النظرية التطورية في مختلف أنحاء العالم خلال القرنين الأخيرين، وكان لنجاحهم في هذا الأمر عدداً من الأسباب الهامة.
الأول هو الحركات المعادية للكهنوتية والتي يتم تنظيمها من خلال العامة في وجه الأفكار المحافظة، والأصولية والعدائية التي كانت تتبناها الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت.
تم تجسيد الخطأ الذي عُبّر عنه بعبارات مثل: " الكنيسة، وبالتالي الدين، تتعارض مع العلم"، بقضية غاليلو، التي انتشرت على نطاق واسع، ونتج عنها نظرة غير حقيقية للعلم على أنه حقل يعمل به الملحدون. ومع المزيد من الانتشار الذي شهدته السنوات التي تلت ذلك، أصبحت هذه الفكرة سلاح سحري يتسلح به العلمانيون.
السبب الثاني، هو أن أفكار الملحدين التي تم تطويرها على يد العلمانيين والفلاسفة والعلماء الذين وافقوا العقلية التمبلارية (عقلية فرسان المعبد)، كانت تعرض أمام العامة على أنها حقائق أثبتها العلم. جميع هذه الحقائق المزعومة، مرتبطة بدعم تنظيم الفرسان لها، أدت إلى هيمنة التفكير المادي على عالم العلوم، وأصبحت سلاحاً جديداً بيد التمبلارز استخدموه في مناوراتهم الإلحادية، وبدؤوا بتشويه العلم وتمرير عدداً من النظريات المخادعة والمضللة تحت اسمه بغرض إبعاد الناس عن القيم والمثل التي يحكي بها الدين.
جعل فرسان المعبد من المحافل المحلية العاملة، التي أسسها الحرفيون، قاعدة لمناوراتهم الفكرية العقائدية السرية، وانطلقوا منها بأول فعالياتهم المعادية للدين جاعلين منها ستاراً دخانياً يخادعون الناس من وراءه. لقد ضمن هؤلاء دعماً واسعاً للحركات المعادية للكنيسة في مختلف البلدان الأوربية مثل ألمانيا ، بلجيكا، وإنكلترا تحديداً. هذه الأعمال المثيرة آتت أكلها في وقت قصير، حيث بدأت الحروب الدينية تهز أوربا في الفترة التي سبقت عصر النهضة.
أثناء هذه الحروب، كان الفرسان يستمتعون في مراقبة الاعات التي فرضها المناخ السائد والذي تضعضعت فيه الوحدة الدينية، مما سبب ضرراً كبيراً في الوضع السياسي والاجتماعي للكنيسة، وسهل عليهم وضع أهدافهم المادية موضع التنفيذ. لقد شكلت معظم الأحداث التي جرت في تلك الفترة بداية مرحلة انفلات الناس من حصنهم الديني.
الإجراء الثاني الأساسي الذي اتخذه فرسان المعبد يشير إلى مدى القوة التي أصبح يمتلكها الماسون... لقد بدأ الأطباء والمحامون والشخصيات العسكرية والسياسية تعمل جنباً إلى جنب في المحافل، كان هذا نتيجة لبروز عدد من القطاعات في المقدمة بسبب التغييرات في البنية الاجتماعية.
أصبحت التطورات السياسية جاهزة للتشكيل على يد هؤلاء الأشخاص في المحافل. في تلك الفترة بالتحديد عملت الأخوة الماسونية التمبلارية على تنظيم الثورة الفرنسية:
في عام 1717، قرر الماسون الذين تم قبولهم في المحافل الماسونية الفاعلة إيجاد مؤسسة توفر لهم القدرة على التحمل والتفكير الحر في بيئة دينية ثقافية فكرية من القرن الثامن عشر. هذه المنظمة أو المؤسسة استقت رموزها وتقاليدها وطقوسها من تنظيمات مثل الماسونية والروزكروشية وفرسان المعبد، التي كانت التنظيمات السرية لذلك الوقت، وتمثلت طريقتهم في التفكير الحر التي بدأت تنتشر في إنكلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر .
كانت الثورة الفرنسية نوعاً من الثأر الذي أحب أن يأخذه فرسان المعبد من ملك فرنسا من جهة، وبداية لطريقة يمكنهم أن يستخدموها في أماكن أخرى في السنين اللاحقة.
كانت تجربة الثورة ناجحة بشكل فاق التوقعات، فقد حدثت في وقت قياسي وكان لها أثراً كبيراً وعلى نطاق واسع، وهذا ما حدا بفرسان المعبد إلى نشرها وبسرعة في عدد من بلدان العالم. شكلت عقلية فرسان المعبد، التي اعتلت السلطة مع الثورة الفرنسية وأطاحت بالعرش الملكي، نموذجاً سيئاً يُحتذى، وسهلت انتشار التفكير المادي وإضعاف الكنيسة أولاً في أوربا وفي البلقان ثانياً، انتهاء بأمريكا.
تتالت الثورات الواحدة تلو الأخرى، وبدأت الكنيسة والمؤسسات والتنظيمات التي تدعمها تعاني من نكسات كبيرة متتالية. شهدت تلك الفترة أيضاً بداية المناورات لتدمير الإمبراطورية العثمانية والتي اشتدت وطأتها في السنوات التالية.
بدأ فرسان المعبد بتنظيم أنفسهم في البلقان أولاً، فأخذوا يثيرون العامة على العثمانيين، ولم يمض وقت طويل حتى تشتت الإمبراطورية العثمانية وانهارت. لقد تم تأسيس جمعية الاتحاد والترقي (ثورة الأتراك اليافعين) في المحافل الماسونية، تلك التي تسببت بالكثير من الضرر للدولة التركية، وانطلقت حاملة نفس أفكارها، وكانت وسيلة أخرى من الوسائل التي وصلت من خلالها الفلسفة الماسونية التمبلارية إلى تركيا. تضمنت الصحيفة الباريسية الأولى لو تومب Le Temps في عددها الصادر في 20 آب 1908 معلومات من مقابلة مع عضوين هامين من المجموعة في سالونيك وهما: رفيق باي والكولونيل نيازي، والتي تظهر أن الماسونية كانت متنفذة أيضاً في تلك الحركة:
"سأل المراسل الذي كان يدير المقابلة عن مدى الدعم الذي تلقته جمعية الاتحاد والترقي من الماسونية فيما بين عامي 1905 و1908، وإلى أي مدى كانت متنفذة فيها، فكان الجواب مذهلاً يمكن تلخيصه كما يلي: "لقد قدمت لنا الماسونية، وخاصة الماسونية الإيطالية، دعماً معنوياً كبيراً، حيث نشط عدداً من المحافل في سالونيك. لقد ساعدتنا الماسونية الإيطالية وقدمت لنا الحماية، وحيث أن الغالبية منا كانوا من الماسون، فقد كنا نلتقي في المحافل لكي ننظم أمورنا. لقد شكّت استنبول في أمرنا وفي ما نفعله داخل تلك المحافل لذلك أقحمت عدداّ من العملاء فيها ....
كان القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك يعرف أدق التفاصيل فيما يتعلق بالمحافل الماسونية، لذلك أدرك بعد قيام الدولة الأتاتوركية أن الماسون يحاولون الاستيلاء على حزب الشعب الجمهوري، فأقفل محافلهم عام 1935، إلا أن هذا الإقفال لم يكن ليضع نهاية للنشاط الماسوني. وكما هي العادة نزل الماسون تحت الأرض واستعادوا نشاطهم من جديد سراً، تماماً كما كان يفعل أسلافهم من فرسان المعبد، ولم يمض وقتاً طويلاً حتى بدأ نشاطهم يظهر على السطح، وتجلى أثرهم في السياسة والاقتصاد التركي، واستمر هذا الأثر حتى يومنا هذا، إضافة إلى تأثيرهم في الصحافة الذي يبدو واضحاً بين الحين والآخر.
يجري كل هذا ليظهر لنا أن فرسان المعبد في تركيا، كما هم في عدد من البلدان الأخرى، هم تنظيم نشط ومنظم. لقد أوجدوا لأنفسهم مكاناً في المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية ، وبالرغم أن أعضاءه قادرين على إخفاء أنفسهم وأهدافهم، إلا أن طرقهم وأساليبهم التي يوظفونها يمكن تمييزها بسهولة. يهدف أعضاء هذا التنظيم الظلامي إلى تدمير المسلمين الحقيقيين الذين يدعمون القيم الوطنية والروحية، الذين يحبون حماية بلادهم، والذين يدعون الناس للإيمان بالله والعيش مع القيم والمثل القرآنية العظيمة، من خلال التعرض لهم بالاضطهاد والتعذيب وتشويه السمعة وحتى الاغتيال.
هم يحلمون في حكم الأمة التركية التي يعتبرونها عقبة أساسية أمام أعمالهم وأهدافهم الشيطانية، ويتطلعون إلى تشتييت الوحدة الوطنية من خلال إضعاف مكوناتها التي تجعل منها أمة دينية ، سواء بالسلوك أو الرغبة. كان الشباب المسلم هو الهدف الرئيسي على مدار التاريخ ، مع ذلك كانت مناوراتهم جميعها كانت تبوء بالفشل.
لن يحالف الحظ أياً من هذه المحاولات في المستقبل إن شاء الله، ولن تفلح مكائدهم وحيلهم الخادعة، فالأمة التركية العظيمة تمتلك ما يكفي من الإيمان والقوة والذكاء لكشف هذه المخططات المقيتة وقلب السحر على الساحر. وطالما بقيت الأمة وفية مخلصة لجوهرها وقيمها وتراثها، فلا التمبلارز ولا الماسون ولا أي محور آخر من محاور الشر قادرون على النيل منها ومن أطفالها!
ستجاهد الأمة التركية العظيمة، التي لها ضميرها الفريد، بكل قوتها لإعادة الماسون والتمبلارز إلى جادة الصواب، وستمحوا الشر وتستبدله بالحب والتسامح والسلام.
كما أن الماسون أنفسهم لن يستمروا في طرقهم الشريرة الحقيرة عندما يدركون الضرر الذي يلحقونهه بالعالم من خلال هذا التحالف الآثم الذي جعلوا من أنفسهم جزء منه. هم أيضاً سوف ينضمون إلى حلف الخير، الذي يجاهد لإحلال الحب والتسامح مكان الشر والفساد، والقيم والمثل الأخلاقية الرفيعة مكان الانحلال الأخلاقي، وسنعمل معاً من أجل عالم أفضل.


النتيجة
مما تقدم نرى بوضوح أن التمبلارز هم من أوجد النظام الرأسمالي والمؤسسات الرأسمالية في أوربا . هم من أوجد الأسلحة المخيفة من خلال التجارة ورأس المال، وفي النهاية الثروة والمال هم القاعدة الأساسية التي قام عليها نظامهم المنحرف. لقد جعل الأخوة الذين لا يعرفون للفضيلة طريقاً، ولا يعترفون بقانون أو شريعة، من الطرق غير الشرعية جزءً لا يتجزّأ من عالم المال والأعمال...
عمل التمبلارز كل شيء ابتداء من احتلال الأراضي وحتى السلب والنهب، ومن المقامرة وحتى الرشوة والابتزاز، ووضعوا الأسس التي قامت عليها التنظيمات التي سارت على مسارهم فيما بعد، مثل المافيا. لقد استخدم أعضاء هذا التنظيم ثروتهم غير الشرعية في اجتثاث القيم الدينية، التي يعتبرونها عقبة كبيرة في طريقهم لتحقيق أهدافهم، ولم يصعب عليهم في مسلكهم هذا إيجاد الدعم اللازم لهم، والفضل لقوتهم الاقتصادية.
هذه الفعاليات، التي استمرت منذ القرن الثاني عشر، وصلت ذروتها في يومنا هذا. فمع تحقيقهم لأهدافهم في عدد من البلدان الأوربية الكبيرة، التفت فرسان المعبد إلى الأراضي التي لم يضعوا أيديهم عليها بعد، إلا أن الطرق التي تعاملوا فيها مع المسيحية لم تفلح مع الإسلام، كذلك، لن تفلح تعاليمهم الآثمة التي تدفع الإنسان للعمل من أجل هذه الدنيا فقط، لن يكن لها أثراً على المسلم في الأمة التركية، وفي جميع بقاع العالم إن شاء الله. لقد أحبط القادة المسلمون الأتراك، السلطان عبد الحميد بالتحديد، مخططات هذا التنظيم الشريرة، فضحوا مكائدهم، ودخلوا معهم في صراع فكري. هذه المعركة مستمرة حتى يومنا هذا. الأتقياء الشرفاء والأبطال المخلصون من الأمة الإسلامية سوف يحبطون دائماً المخططات الماسونية التمبلارية. إنهم يرون أن لا مستقبل لهؤلاء ولن يكتب لمخططاتهم النجاح، وسينجحون في معركتهم الفكرية إن شاء الله.
ولن يكون هذا النجاح عن طريق الفساد الذي كان دين أولئك الآثمون وديدنهم على مدى قرون من الزمن، بل عن طريق العدالة والحب والحيادية والسلام. هذه المعركة الفكرية والتي تقوم على قاعدة من التعاليم القرآنية سوف تهز ضمائر الماسون الذين يتطلعون إلى سيادة عالم يكره الدين ولا يعترف بقيمه ومثله، وستدمر هذا التنظيم الفاسد.
يخبرنا الله تعالى عن نتائج هذه المعركة بقوله عز من قائل:

" بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَق عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ *" [الأنبياء- 18].
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)

مشاركة غير مقروءةبواسطة الدكتور أحمد » 02 ديسمبر 2010

الجزء الأخير

خدعة التطور



إن كل جزئية من جزئيات هذا الكون تشير إلى خلق عظيم، وهذا عكس ما ترمي إليه المادية التي تسعى لإثبات إنكار حقيقة الخلق في الكون، والتي لا تعدو أن تكون خدعة لا تمت إلى العلم بصلة.
وعندما تثبت المادية بطلانها، فإن كافة النظريات التي تعتمد عليها تصبح لاغية ، وأولى هذه النظريات هي الداروينية، التي تتبنى نظرية التطور. هذه النظرية، التي تقول أن الحياة قد نشأت عن مادة جامدة، غير حية، من خلال عدة مصادفات، قد انهارت بعد إثبات العلم الحديث خلق الكون. يشرح عالم الفلك هوف روس هذا بقوله:
" الإلحاد والدارويبنية ، وبشكل عام جميع المذاهب المادية التي انبثقت ابتداء من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، كانت مبنية على إدعاءات غير صحيحة تفيد بأن العالم لا نهاية له. لقد وضعنا التفرد في الخلق أمام السبب أو المسبب الذي يقف وراء الكون وكل م ايحتويه بما فيه الحياة"1
الله هو خالق الكون، وهو الذي أتقن صنعه حتى أصغر تفصيلاته لذلك يبدو من المستحيل بالنسبة لنظرية التطور التي تقول بأن المخلوقات لم يخلقها خالق ، وإنما أتت عن طريق الصدفة، أن تثبت صحتها.
لن نندهش إذاً عندما نعلم أن هذه النظرية قد تم دحضها من قبل الاكتشافات العلمية. إن نظام الحياة نظام متقن، مدهش ومعقد. في عالم الجمادات، على سبيل المثال، يمكننا أن نكتشف مدى حساسية التوازنات التي تقوم عليها الذرات، علاوة على ما نلاحظه في عالم المتحركات من التصاميم المعقدة في التي تنتج عن تجمع الذرات إلى بعضها لتشكل في مجموعها تقنيات غاية في التعقيد، والتقنيات والبنيات الفائقة التي تعمل من خلالها البروتينات والأنزيمات والخلايا خير مثال
هذه الأنظمة الحياتية المعقدة هي التي رسمت نهاية النظرية الداروينية في نهاية القرن العشرين.
لقد تعاملنا مع هذا الموضوع بتفصيل أكبر في مواقع أخرى من دراساتنا، وسنستمر في هذا . وقد ارتأينا أنه من الهام أن نورد هنا تلخيصاً لهذا الموضوع في كتابنا هذا.

الانهيار العلمي للنظرية الداروينية
بالرغم من أن هذه النظرية تعود في جذورها إلى التاريخ الإغريقي القديم، إلا أنها شهدت أوسع انتشار لها في القرن التاسع عشر . كان أهم تطور شهدته النظرية هو صدور كتاب تشارلز داروين "أصل الأنواع" الذي صدر عام 1859. في هذا الكتاب ينكر داروين أن الأنواع المختلفة على الأرض قد خلقها الله. يقول داروين أن جميع الكائنات الحية لها جد مشترك وأنها قد تنوعت واختلفت بسبب اختلافات طارئة متدرجة أتت عليها عبر الأزمان.
وكما يقر داروين نفسه، فإن نظريته لا تقوم على أي حقيقة علمية ثابتة، بل إنها مجرد "افتراض". علاوة على ذلك، يعترف داروين في فصل مطول من كتاب بعنوان "المصاعب التي تواجهها النظرية" أن النظرية تتهاوى أمام العديد من الأسئلة الحرجة.
عقد داروين آماله على الاكتشافات العلمية التي كان يظن أنها ستزيل العقبات التي تواجهها نظريته، إلا أن ما أثبتته هذه الاكتشافات جاء عكس ما تمناه الرجل.

وتظهر هزيمة داروين أمام العلم الحديث من خلال ثلاث نقاط رئيسية:
1- لم تتمكن هذه النظرية بأي وسيلة من الوسائل أن تفسر كيف نشأت الحياة على وجه الأرض.
2- لا يوجد أي اكتشاف علمي يدل على قدرة "التقنيات التطورية" التي تفترضها النظرية على التطور في أي حال من الأحوال.
3- ما يثبته السجل الإحاثّي هو عكس الادعاءات التي تقوم عليها نظرية التطور.
سنناقش في هذا الفصل هذه النقاط الثلاث الرئيسية:

العقبة الأولى التي لم تذلل: أصل الحياة

تقول نظرية التطور أن جميع الكائنات الحية قد تطورت عن خلية وحيدة ظهرت على سطح الأرض البدائية منذ 3.8 ملايين سنة. ولكن كيف يمكن لخلية وحيدة أن ينشأ عنها الملايين من الأنظمة والأنواع الحية؟ وإذا كان هذا التطور قد حدث فعلاً فلماذا لم تظهر علائمه في السجلات الإحاثية ، هذا سؤال لم تتمكن النظرية الإجابة عليه. إلا أن السؤال الأول الذي بقي يواجه هذه النظرية، التي لم تجد جوابا عليه حتى الآن، هو كيف نشأت "الخلية الأولى".
تفسر نظرية التطور، التي لا تعترف بالخلق ولا تقبل بوجود خالق، نشوء الخلية الأولى على أنها أتت عن طريق الصدفة التي تتضمنها قوانين الطبيعة. حسب هذه النظرية تكون المادة الحية قد نشأت من مادة غير حية نتيجة للعديد من المصادفات، ومن المؤكد أن هذا الزعم لا يتوافق مع أبسط قواعد علم الأحياء.

الحياة تنشأ من الحياة
في هذا الكتاب، لم يتطرق داروين إلى أصل الحياة. فقد كان الفهم البدائي لحقيقة الحياة في عصره يعتمد على الافتراض بأن الكائنات الحية ذات بنيات بسيطة جداً. لقد لاقت نظرية النشوء التلقائي التي انتشرت في القرون الوسطى، والتي تقول أن المواد غير الحية تجمعت من تلقاء نفسها لتشكل كائن حي، رواجاً واسعاً في ذلك الزمن. من الاعتقادات التي نتجت عن هذه النتيجة هي أن الحشرات تنشأ عن بقايا الطعام، وأن الجرذان تأتي من القمح. هنا يجدر بنا أن نتعرض لتجربة مضحكة قام بها البعض، حيث تم وضع بعض القمح على قطعة وسخة من القماش، وكان المنتظر أن يخرج جرذاً بعد برهة من الزمن.
ومن المنطلق ذاته كان يعتقد أن الديدان تخرج من اللحم؛ إلا أنه لم يلبث العلم أن أثبت أن الديدان لا تخرج من اللحم بشكل تلقائي، وإنما يحملها الذباب بشكل يرقانات لا ترى بالعين المجردة.
كان هذا الاعتقاد سائداً في الزمن الذي كتب فيه داروين كتاب "أصل الأنواع" ، فقد كان يعتقد بأن البكتريا جاءت إلى الوجود من مادة غير حية وكان هذا الاعتقاد مقبول علمياً.
لم يطل الوقت حتى أعلن باستور نتائج دراساته الطويلة وأبحاثه الكثيرة التي تدحض أساس نظرية داروين. قال باستور في محاضرته التي أعلن فيها عن انتصاراته في السوربون عام 1864:
"لا يمكن أن تستفيق نظرية النشوء التلقائي من الضربة الصاعقة التي أصابتها بها هذه التجربة البسيطة." 2
قاوم المدافعون عن النظرية الداروينية اكتشافات باستور لوقت طويل. إلا أن ما جاء به باستور بالإضافة إلى ما كشف عنه التقدم العلمي من البنية المعقدة لخلية المادة الحية، أبقيا فكرة وجود الحياة على سطح الأرض عن طريق الصدفة في مأزق لم تستطع الخروج منه.

المحاولات العاجزة في القرن العشرين
إن أول من تبنى موضوع منشأ الحياة في القرن العشرين كان التطوري المشهور ألكسندر أوبارين. تقدم هذا العالم بالعديد من الآراء العلمية في الثلاثينيات من ذلك القرن، حاول من خلالها إثبات إمكانية تطور خلية الكائن الحي عن طريق الصدفة. إلا أن دراساته لم تنته إلا بالفشل، مما حدا بأوبرين تقديم الاعتراف التالي: " للأسف، بقيت مشكلة منشأ الخلية الأولى أكثر النقاط غموضاً في دراسة تطور الأنظمة الحية".3
حمل التطوريون بعد أوبرين مسؤولية حل مشكلة منشأ الحياة. وكان أكثر هذه التجارب شهرة تلك التي قام بها الكيميائي الأمريكي ستانلي ميللر عام 1953. قام هذا العالم بدمج عدد من الغازات التي يفترض أنها كانت موجودة في المناخ البدائي للأرض، وأضاف إليها مقدار من الطاقة. من خلال هذه التجربة تمكن ميللر من تركيب عدد من الحموض الأمينية (الجزيئات العضوية) التي تتواجد في تركيب البروتينات.
إلا أنه لم تمض عدة سنوات حتى ثبت بطلان هذه النظرية، التي كانت تعتبر خطوة رائدة في تقدم نظرية التطور، فالمناخ الذي استخدم في هذه التجربة كان مختلفاً جداً عن الظروف الأرضية الحقيقية.4
وبعد فترة من الصمت اعترف ميللر أن المناخ الذي استخدمه في تجربته كان غير حقيقياً.5
لقد باءت جميع محاولات التطوريين في إثبات نظريتهم في القرن العشرين بالفشل. يعترف العالم الجيولوجي بادا من معهد سكريبس في سانت ياغو بهذه الحقيقة في مقالة نشرتها مجلة "الأرض" عام 1998:
"ها نحن اليوم نغادر القرن العشرين دون أن نتمكن من حل المشكلة التي بدأنا القرن معها وهي : كيف بدأت الحياة على الأرض؟"6

البنية المعقدة للحياة
السبب الرئيسي الذي أوقع نظرية التطور في مأزق "كيف بدأت الحياة" هو أن الكائنات الحية، حتى البسيطة منها، تنطوي على بنيات في غاية التعقيد. فالخلية الواحدة من الكائن الحي أكثر تعقيداً من أي منتج تقني صنعته يد البشر. فحتى يومنا هذا لا يمكن لأي مختبر كيميائي مهما بلغت درجة تطوره أن ينجح في تركيب خلية حية من خلال تجميع عدد من المواد العضوية مع بعضها.
إن الظروف المطلوب توفرها لتركيب خلية حية هي أكثر بكثير من أن تُعرض. فإمكانية تركيب أحد البروتينات التي تعتبر حجر الأساس في الخلية بشكل عشوائي هي 1 إلى 10950 وهذا بالنسبة لبروتين مكون من 500 حمض أميني؛ وفي الرياضيات يعتبر أي احتمال أصغر من 150 مستحيلاً!
إن جزيء الـ DNA الذي يتواجد في نواة الخلية والذي يخزن المعلومات الوراثية، هو في حد ذاته بنك معلومات معجز. فلو أن المعلومات المشفرة في جزيء DNA قد أفرغت كتابة فإنها ستشغل مكتبة عملاقة مكونة من 900 مجلداً من الموسوعات كلا منها يتألف من 500 صفحة.
وهنا تنشا مشكلة أخرى مثيرة: فجزيء الـ DNA لا يمكنه أن يتضاعف إلا بمساعدة بعض البروتينات المختصة (الأنزيمات)، وهذه الأنزيمات لا يمكن أن تتشكل بدورها إلا من خلال المعلومات المشفرة في جزيء الـ DNA. وبما أن كل منهما يعتمد على الآخر ، فمن الضروري أن يتواجدا في الوقت نفسه عند عملية التضاعف.وهذا يأتي بالنظرية القائلة أن الحياة قد نشأت من تلقاء نفسها إلى طريق مسدود. وقد اعترف البروفسور ليسلي أورجيل ، وهو تطوري مشهور من جامعة سانت ياغو كاليفورنيا بهذه الحقيقة من خلال موضوع نشر في مجلة العلوم الأمريكية عام 1994:
"من المستحيل أن تكون البروتينات والحموض الآمينية، وكلاهما جزيئات معقدة، قد نشأت من تلقاء نفسها في نفس الوقت وفي نفس المكان. أضف إلى عدم إمكانية تواجد أحدهما دون الآخر . وهكذا ومن النظرة الأولى يجد أحدنا أنه من المستحيل أن تكون الحياة قد نشأت من خلال عمليات كيميائية بحتة"7
لا شك أنه إذا كان من المستحيل أن تنشأ الحياة من أسباب طبيعية، فلا بد أنها قد "خلقت" بيد خالق. هذه الحقيقة تلغي نظرية التطور ، والتي تهدف بالدرجة الرئيسية إلى إنكار الخلق، من أساسها.

الأفكار الخيالية لنظرية التطور
النقطة الثانية التي تدحض نظرية داروين هي أن كلا المفهومين اللذين وضعتهما النظرية كـ "تقنيات تطورية" ثبت أنها في الحقيقة لا تملك أي قوة تطورية.
لقد اعتمد داروين في خدعة التطور التي خرج بها على فكرة "الاصطفاء الطبيعي". وقد ضمن هذه الفكرة في كتابه: "أصل الأنواع ، عن طريق الاصطفاء الطبيعي..."
يقول قانون الاصطفاء الطبيعي أن الكائنات الحية التي تمتلك خصائص قوية فقط هي التي يمكن أن تبقى في معركة الحياة. على سبيل المثال، عندما تهاجم الحيوانات المتوحشة قطيعاً من الغزلان، فإن الغزلان الأقوى والتي يمكنها أن تركض بسرعة أكبر هي التي ستنجو وتبقى على قيد الحياة. وهكذا يتشكل قطيع جديد من الأقوياء والسريعين فقط. ولكن، ولنفترض أننا سلمنا بهذا جدلاً، فهل يمكن لهؤلاء الأقوياء من قطيع الغزلان أن يتطوروا بأي شكل من الأشكال ليصبحوا خيولاً مثلاً؟ بالطبع لا.
لذلك نقول أن هذه الفكرة لا قوة تطورية لها. داروين نفسه كان قلقاً بشأن هذه الحقيقة التي وضعها في كتابه أصل الأنواع حيث قال:
"لا يمكن لقانون الاصطفاء الطبيعي أن يحقق شيئاً م الم تحدث تغييرات فردية إيجابية" 8.

تأثير لامارك
ولكن كيف تحدث هذه "التغيرات الإيجابية"؟ حاول داروين الإجابة على هذا السؤال من خلال الفهم البدائي للعلوم في ذلك الوقت. فحسب نظرية لامارك الذي عاش قبل داروين، فإن الكائنات الحية تورث صفاتها التي اكتسبتها خلال حياتها إلى الأجيال التالية ، وهذه الصفات تتراكم من جيل إلى آخر لتشكل أنواع جديدة من الكائنات الحية. فحسب لامارك، الزرافات هي كائنات تطورت عن الظباء عندما كانت تجاهد من أجل الوصول إلى الثمار التي تحملها الأشجار العالية، فطالت رقبتها من جيل إلى آخر حتى استقرت على هذا الطول.
وباقتفاء أثره، أورد داروين مثالاً مماثلاً في كتابه فقال أن الدببة غطست في الماء أثناء بحثها عن الطعام فتحولت إلى حيتان على مر الأجيال".9
إلا أنه ما لبثت أن ظهرت قوانين الوراثة على يد العالم ماندل في القرن العشرين، مما أحبط أسطورة امتداد الصفات عبر الأجيال. وهكذا سقط الاصطفاء الطبيعي كدعامة من دعامات نظرية التطور.

الداروينية الجديدة والطفرات
ومن أجل الوصول إلى حل، قام الداروينيون بتطوير "نظرية تركيبية جديدة" أو ما يدعى بـ "الداروينية الجديدة" في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين. أضافت الداروينية الجديدة نظرية "الطفرات"وهي تشوهات جينية تطرأ على الكائن الحي وتحدث بفعل تأثيرات خارجية مثل التعرض إلى الإشعاعات وأخطاء في تضاعف الـ DNA، بالإضافة إلى الطفرات الطبيعية.
و النموذج الذي يقف مدافعاً اليوم عن نظرية التطور هو الداروينية الجديدة.تقول هذه النظرية الجديدة ـأن الملايين من الأحياء المتواجدة على سطح الأرض قد جاءت نتيجة لطفرات طرأت على الأعضاء المعقدة لهذه الكائنات مثل الآذان والعيون والرئات والأجنحة، أي إضطرابات وراثية. إلا أن الحقيقة العلمية تأتي في عكس الاتجاه المطلوب. فالطفرات لم تكن في يوم من الأيام إيجابية تؤدي إلى تقوية وتعزيز القدرة الحيوية الكائن الحي، وإنما إلى إنهاكها وإضعافها..
والسبب وراء هذا ببساطة هو أن جزيء DNA يحمل بنية معقدة جداً وأي تغيير عشوائي فيها سيؤدي ضرراً كبيراً. يشرح عالم الجينات رانغاناتان الموضوع كالتالي:
"أولاً، الطفرات الجينية نادرة الحدوث. ثانياً الطفرات في معظمها ضارة ومهلكة في بعض الأحيان لأنها تغيرات عشوائية ، وأي تغير غير منظم، علاوة على المنظم ، في أي كائن حي راقي تنحدر به نحو الأسوء ولا ترتقي به إلى الأفضل. فالهزة الأرضية التي قد تصيب أحد الأبنية على سبيل المثال، ستتسبب في تغيير في الإطار العام لها، وهذا بالطبع ما لن يكون تحسيناً في البناء."10
لهذا ليس غريباً غياب أي دليل على وجود طفرة كانت السبب في تغيير الشفرة الوراثية نحو الأفضل. على العكس فجميع الطفرات كانت ناكسة . أصبح واضحاً إذاً أن الطفرة التي اعتبرت من تقنيات التطور لا تجلب على الكائن الحي إلا المزيد من الضعف وتجعله عاجزاً. ( من التأثرات الشائعة للطفرة في العصر الحديث مرض السرطان). وطبيعي أن لا تكون تقنية مدمرة من تقنيات "التطور"، كما لا يمكن لـ "الاصطفاء الطبيعي " أن ينجز شيئاً بنفسه. وهذا يعني أنه لا يوجد تقنيات تطور في الطبيعة. وبانتفاء وجود هذه التقنيات تنتفي عملية التطور.

السجلات الإحاثية: لا دليل على وجود أشكال مرحلية
في الحقيقة لا يوجد أي دليل في سجل المستحاثات على أكثر الادعاءات وضوحاً في سيناريو نظرية التطور.
حسب نظرية التطور، فإن كل كائن حي قد نشأ عن كائن قبله، أي أن الكائنات السابقة قد تحولت إلى كائنات أخرى، وكل الأنواع نشأت بهذه الطريقة. وحسب النظرية، فإن هذه التحولات استغرقت ملايين السنين.
وإذا كان هذا الافتراض حقيقي ، فمن الضروري وجود عدد كبير من الأنواع المرحلية التي عاشت في فترة التحول الطويلة. على سبيل المثال لابد من وجود كائن نصفه سمكة ونصفه سلحفاة يحمل صفات السلحفاة بالإضافة إلى صفات الأسماك التي يحملها أصلاً. أو كائنات نصفها طير والنصف الآخر زواحف، أي تحمل بعض صفات الطيور بالإضافة إلى صفات الزواحف التي تحملها أصلاً. وبما أنها في الطور المرحلي، فهي كائنات عاجزة غير مؤهلة، ومعاقة؛ ويطلق التطوريون على هذه الأشكال الخيالية اسم "الأشكال التحولية"
لو كان هناك حيوانات كتلك حقاً، فيجب أن يكون هناك الملايين بل البلايين منها وبشكل متنوع. والأهم من ذلك يجب أن تحمل سجلات المستحاثات بقايا هذه الأحياء الغريبة. يقول داروين في كتابه "أصل الأنواع":
"إذا كانت نظريتي صحيحة، فلابد من وجود عدداً كبيراً من الأنواع المختلفة التي تصنف ضمن فئة واحدة، وهذا الوجود ستثبته السجلات الإحاثية". 11

آمال داروين تتبدد
بالرغم من جميع محاولات التطوريين الجادة في إيجاد مستحاثات تدعم تصوراتهم في وجود مخلوقات تحولية في منتصف القرن العشرين في جميع أنحاء العالم، إلا أنهم لم يجدوا أ ياً منها . لقد أثبتت جميع المستحاثات التي اكتشفت أثناء الحفريات الجيولوجية عكس ما قالت به النظرية الداروينية تماماً: لقد نشأت الحياة فجأة وبتشكل تام لا وجود لأي شكل تحولي.
أقر أحد علماء التطور، العالم الإنجليزي ديريك آغر Derek Ager بهذه الحقيقة عندما قال:
النقطة هي أننا عندما قمنا بتقصي السجل الإحاثي بالتفصيل سواء على مستوى الأنواع أو الترتيب الزمني المرة تلو المرة، لم نجد تطور تدريجي أو مرحلة انتقالية، وإنما ظهور مفاجئ لمجموعة من الكائنات على حساب أخرى.12
هذا يعني أن السجل الإحاثي يبرهن أن جميع الكائنات الحية قد ظهرت على الأرض بشكل مفاجئ بأشكالها التامة، ودون أي طور تحولي، وهذا عكس الإدعاء الدارويني تماماً وإثبات قوي على حقيقة الخلق. فالتفسير الوحيد لنشوء الكائنات الحية بشكل مفاجئ على سطح الأرض بشكلها الكامل ودون تطور عن أجداد سابقين، إنما يعني أن هذه الأنواع قد خلقت خلقاً. ويقر هذه الحقيقة عالم الأحياء التطوري دوغلائس فيوتويما:
"الخلق والتطور، وبينهما التفسيرات المحتملة عن أصل الكائنات الحية. فإما أن تكون الأنواع قد ظهرت على سطح الأرض بتكوينها الكامل، أو لا تكون. إذا لم يكن الأمر كذلك فهذا يعني أنها قد تطورت عن أنواع وجدت مسبقاً من خلال بعض عمليات التحول. أما إذا كانت قد ظهرت بشكلها الكامل ، فلابد أنها قد خلقت خلقاً13.
والمستحاثات تثبت أن الكائنات الحية قد نشأت بشكلها المكتمل على سطح الأرض، وهذا يعني أن "أصل الأنواع" ليس كما يدعي داروين، إنه خلق وليس تطور.

قصة تطور الإنسان
الموضوع الذي يحاول مؤيدو نظرية التطور الكلام به دائماً هو موضوع أصل الإنسان. يدعي الداروينيون أن الإنسان الحالي قد تطور عن نوع من أشباه القردة. وخلال هذه العملية التطورية المزعومة، التي يفترض أنها استغرقت من 4-5 ملايين عاماً، ظهرت "أشكال تحولية" تفصل بين الإنسان الحديث وأجداده، كما يزعمون. وحسب هذه الصورة الخيالية البحتة، صنفت هذه الأشكال في أربعة فئات:
1- أوسترالوبيثيكوس
2- هومو هابيليس.
3- هومو أريكتوس
4- هومو سابينس
يطلق التطوريون على الجد الأول للإنسان " أوسترالوبيثيكوس" ويعني "قرد جنوب إفريقيا".والحقيقة هو أن هذا المخلوق ليس إلا نوعا من القرود القديمة المنقرضة. أثبتت الأبحاث الواسعة التي أجراها عالما التشريح ، اللورد سولي زوكرمان والبروفسور تشارلز أوكسنارد، من إنكلترا والولايات المتحدة، على مستحاثات أوسترالوبيثيكوس أن هذه المستحاثات تعود إلى أنواع عادية من القردة التي انقرضت والتي لا تحمل أي شبه مع الإنسان.14
والفئة الثانية التي يصنفها التطوريون هي "هومو" وتعني "الإنسان" وحسب نظرية التطور، فإن سلالة الهومو أكثر تطوراً من سلالة أوسترالوبيثيكوس. وهنا اخترع التطوريون خطة مثيرة بتركيبهم لهدة مستحاثات من هذه المخلوقات ووضعها بترتيب معين. إلا أن تلك الخطة خيالية لأنه لم يثبت وجود أي علاقة تطورية بين هذه الفئات المختلفة. يقول أحد أهم المعلقين على نظرية التطور إيرنست ماير في كتابه "من المناظرات الطويلة: " تعتبر الأحجية التاريخية التي تتكلم عن أصل الحياة أو أصل الهومو سابينس أحجية صعبة حتى أنها تتعارض مع الاكتشافات الأخيرة."15
ومن خلال السلسلة التي وضعها التطوريون فإن الفئات الأربع: أوسترالوبيثيكوس، هومو هابيليس، هومو أريكتوس، هومو سابينيس ناشئة عن بعضها البعض. إلا أن الاكتشافات الأخيرة التي ظهرت على يد علماء المستحاثات البشرية قد أثبتت أن هذه الفئات الأربعأوسترالوبيثيكوس ، هومو هابيليس، هومو أريكتوس، هومو سابينيس قد عاشت في بقاع مختلفة من العالم وفي زمن واحد.16

علاوة على هذا، فإن الأجزاء البشرية التي صنفت في فئة "هومو أريكتوس" لم تنقرض حتى وقت قريب جداً، أما النياندرتاليين والهوموسابينيس فقد تعايشوا في زمن واحد وفي منطقة واحدة.17
هذا الاكتشاف يدحض الادعاء بأن أحد منهم يمكن أن يكون جداً للآخر. يفسر عالم الأحياء القديمة ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould من جامعة هارفارد النهاية المسدودة التي وصلت إليها نظرية التطور، بالرغم من أنه عالم تطوري:
ماذا سيكون مصير فكرتنا إذا كان هناك تزامن معيشي لثلاث من فئات الهومو (الإفريقي والأوسترالوبيثيكوس القوي والهومو هابيليس) وثبت أن أحداً منهم لم ينشأ عن الآخر؟ أضف إلى أن أحدا من هؤلاء لم يثبت عليه أي تحول تطوري خلال فترة حياته على سطح الأرض.18
نقول باختصار، أن سيناريو التطور البشري الذي ينص على وجود مخلوق نصفه إنسان ونصفه قرد والذي قام على استخدام العديد من الصور الخيالية التي ظهرت في الكتب الدعائية لنظرية التطور، ليست إلا قصة لا أساس لها من الصحة العلمية.
وبالرغم من كون العالم سولي زوكرمان، الأكثر شهرة في المملكة المتحدة، عالماً تطورياً، إلا أنه اعترف في نهاية أبحاثه، التي استغرقت عدة سنوات والتي تناولت بشكل خاص مستحاثات أوسترالوبيثيكوس لمدة 15 عاماً، أنه لا يوجد شجرة بشرية تتفرع عن مخلوقات شبيهة بالقرود.
صنف زوكرمان العلوم ضمن طيف أسماه "طيف العلوم" يتدرج من العلوم التي يعتبرها علمية لينتهي في العلوم التي يعتبرها غير علمية. وحسب طيف زوكرمان، فإن أكثر العلوم "علمية" – أي التي تقوم على بيانات ومعلومات ملموسة- هي الفيزياء والكيمياء، تليهما العلوم البيولوجية وفي الدرجة الأخيرة العلوم الاجتماعية. وفي نهاية الطيف تأتي العلوم "غير العلمية" والتي يحتل مكانها "الإدراك الحسي المفرط" – وهي مفاهيم الحاسة السادسة والتيليباثي (التخاطر عن بعد) – ويليها "التطور البشري". ويشرح لنا زوكر عمله هذا:
نحن هنا إذاً نتحول من الحقيقة المسجلة موضوعياً إلى تلك المجالات التي يشغلها علم الأحياء الافتراضي، مثل الإدراك الحسي المفرط، أو التفسير التاريخي للمستحاثات الإنسانية، والتي يبدو فيها كل شيء جائز بالنسبة للتطوري، حيث يكون التطوري مستعداً لتصديق العديد من الأمور المتناقضة في وقت واحد.19
لقد انحدرت قصة التطور البشري لتصل إلى مستوى التفسيرات المتحيزة لبعض المستحاثات التي استخرجها بعض الأشخاص الذين تعلقوا بهذه النظرية بشكل أعمى.

تقنية العين والأذن
من المواضيع الأخرى التي عجز التطوريون عن تفسيرها هي الإدراك المتميز الذي تتمتع به كل من الأذن والعين.
وقبل أن ننتقل إلى موضوع العين دعونا نجيب عن سؤال: "كيف نرى؟"
تخرج الأشعة الضوئية من المادة المرئية لتستقر على شبكية العين. هنا تتحول الأشعة الضوئية إلى إشارات كهربائية بواسطة الخلايا، وتصل إلى نقطة متناهية في الصغر في الدماغ تدعى مركز الرؤيا. وفي مركز الرؤيا هذا تترجم الإشارات الكهربائية إلى صورة بعد العديد من العمليات المعقدة. والآن دعونا نتفكر بهذه التقنية.
يقع الدماغ في تجويف يعزله تماما عن الوسط الخارجي، مما يعني أن الدماغ يغرق في ظلام دامس، وأن الضوء لا يصل إلى الدماغ، وبالتالي إلى مركز الرؤيا، حتى أنه يمكن أن يكون أكثر الأماكن التي عرفتها ظلمة، ومع ذلك فأنت ترى من خلاله العالم المضيء المليء بالألوان والأنوار.
والصورة التي تراها العين دقيقة وشديدة الوضوح إلى درجة لم تصل إليها أعظم تقنيات القرن العشرين. انظر إلى الكتاب الذي تحمله، إلى يدك التي تحمل الكتاب بها، ثم أدر رأسك وانظر من حولك هل يمكنك أن ترى أي صورة بنفس الوضوح الذي ترى فيها الأشياء من حولك؟ حتى أحدث شاشات التلفاز التي صنعت بأحدث التقنيات المتطورة لا يمكنها أن تعرض لك صوراً بنفس الدقة والوضوح. إنها صور ملونة، ثلاثية الأبعاد، شديدة التميز والوضوح. منذ مئة سنة وحتى الآن والمهندسون يعملون على محاكاة هذه الدقة والوضوح. بنيت المصانع العظيمة وأنشأت المؤسسات الضخمة وأجريت مئات الأبحاث للوصول إلى تلك الدقة والوضوح. مرة أخرى أعد النظر إلى الكتاب بين يديك وإلى الصور التي تعرضها شاشة التلفاز وتبين الفرق الشاسع. علاوة على أن شاشة التلفاز تعرض لك صورة ببعدين فقط، بينما تريك عيناك الأشياء بأبعادها الثلاث فتدرك عمق هذه الأشياء.
منذ عدة سنوات قام عشرات الآلاف من المهندسين بمحاولات لتصنيع تلفاز يعرض صوراً ثلاثية الأبعاد في محاكاة لتقنية العين. نجح هؤلاء في صنع نظام تلفزيوني ثلاثي الأبعاد، إلا أنه يتوجب على من أراد مشاهدته أن يضع نظارة خاصة، علاوة على أنه يعرض لصورة ثلاثية الأبعاد اصطناعية، غير حقيقية. الخلفية في هذه التقنية شديدة اللمعان والأرضية الأمامية تشبه قطعة الورق. هذه التجربة أثبتت استحالة إمكانية إنتاج رؤيا تحاكي في وضوحها ودقتها رؤية العين البشرية. إن الصورة التي تنتجها الكاميرا أو التلفزيون لا يمكن أن تصل إلى حد الكمال.
ورغم ذلك يدعي التطوريون أن هذه التقنية العالية التي تنتج هذه الصورة الواضحة والدقيقة قد جاءت عن طريق الصدفة. ولكن إذا قال لك أحدهم أن التلفاز الذي في غرفتك قد جاء عن طريق الصدفة، أي أن كل ذراته قد تجمعت من تلقاء نفسها مصادفة لتشكل هذا الجهاز بتقنيته المتطورة، فهل تصدقه؟ كيف يمكن أن تفعل الذرات ما لم يتمكن الآلاف من البشر أن يقوموا به؟
فإذا استحال وجود جهاز يظهر صورة بنوعية بدائية عن طريق الصدفة ، فمن البديهي أن يستحيل وجود العين عن طريق الصدفة.
الوضع نفسه ينطبق على الأذن. تلتقط الأذن الأصوات عن طريق الصيوان وتوجهه إلى الأذن الوسطى تنقل الأذن الوسطى الذبذبات الصوتية بدورها عن طريق تكثيفها إلى الأذن الداخلية ؛ يأتي بعد ذلك دور الأذن الداخلية التي تحول هذه الذبذبات الصوتية إلى إشارات كهربائية. وكما هو الحال مع آلية الرؤيا، تنتهي فعالية السمع إلى مركز السمع في الدماغ.
وتنطبق آلية الرؤيا على آلية السمع، فمركز السمع في الدماغ منفصل تماماً عن الوسط الخارجي، فلا يُسمح لأي صوت بالدخول إليه. فمهما يكن الوسط الخارجي صاخباً فإن وسط الدماغ يغط في صمت عميق. في مركز السمع المعزول عن الوسط الخارجي في الدماغ أنت تستمع إلى السمفونيات الموسيقية والضجيج الصاخب، ومع ذلك عندما يقاس مستوى الصوت في دماغك بأداة دقيقة في الوقت الذي تصلك فيه الأصوات فإن النتيجة تكون صمت مطبق.
وكما هو الحال في مجال تصنيع ما يحاكي آلية الرؤيا، جرت عدة محاولات لتقليد الأصوات الطبيعية كانت نتيجتها آلات التسجيل عالية التقنية وفائقة الدقة. وبالرغم من كافة المحاولات الجاهدة للوصول إلى صوت مماثل للأصوات الطبيعية التي تدركها الأذن في نقائها وتميزها إلا أنه لم يكتب النجاح لأي من هذه المحاولات حتى الآن . تفكر في أعلى تقنية أنتجتها أضخم شركات الموسيقى في العالم HI-FI، بالرغم من التقنية العالية التي تعتمد عليها هذه الشركة في تسجيل الأصوات إلا أنها لم تتمكن من تدارك الفقد الحاصل في الأصوات المسجلة. كما أنك عندما تدير جهاز HI-FI تسمع صوت هسيس قبل أن تبدأ الموسيقى. قد تكون الموسيقى الناتجة عن المنتجات الإنسانية صافية ودقيقة، إلا أن الأذن الإنسانية تدرك الأصوات بنقاء لا يصاحبه أي هسيس، إنها تدرك الأصوات كما هي تماماً. وهذا ماكان عليه السمع منذ بدء الخليقة.
إذاً حتى وقتنا هذا لم يشهد العالم أي تقنية تحاكي تقنية العين والأذن البشرية.
إلا أن هناك حقيقة أكبر تكمن وراء هذه التقنية الفائقة.

من هو وراء إدراك السمع والبصر داخل الدماغ؟
من الذي يرى هذا العالم المشرق من خلال الدماغ، ويستمع إلى السيمفونيات التي تغردها الطيور، ويشم الزهور؟
تصل الإثارات الحسية إلى الدماغ من الوسط الخارجي عن طريق الإشارات الكهربائية الكيميائية. يمكنك أن تجد في كتب الفيزيولوجيا وعلوم الأحياء والكيمياء الحيوية تفاصيل عن الكيفية التي تتشكل فيها هذه الصورة في الدماغ. إلا أنك لن تقابل أهم حقيقة في هذا الموضوع: من هو المدرِك الذي يدرك الإشارات الكيميائية التي تنشأ عن الصور والأصوات والروائح في الدماغ؟ هناك وعي في الدماغ يدرك كل هذه المدركات. إلى من ينتمي هذا الإدراك أو الوعي؟ لا شك أنه لا ينتمي إلى الأعصاب أو إلى قطعة اللحم أو الطبقات الدهنية التي يتكون منها الدماغ. ولهذا لم يتمكن الداروينيون من الإجابة على هذا التساؤل.
إنها الروح التي خلقها الله. فلا العين ولا الأذن ولا أنف ولا الجلد يمكن أن يكون ذو أي فائدة في إدراك المدركات ولا حتى الدماغ ولا مراكز الحواس الخمس، في غياب الروح.
إن كل إنسان يقرأ هذه الحقيقة العلمية الواضحة سيعرف الله العظيم ويخاف منه ويطلب منه المأوى والملاذ. الله العظيم القدير هو الذي اختصر العالم كله في نقطة صغيرة مظلمة في الدماغ لا تتجاوز بضعة سنتمترات مكعبة.

العقيدة المادية
إن ما عرضناه حتى الآن يبين لنا أن الأسس التي تقوم عليها نظرية التطور لا تمت إلى العلم بصلة. فإدعاءات النظرية بشأن أصل الحياة تتناقض مع الحقائق العلمية، والتقنيات التطورية التي تقول بها ليس لها قوة تطورية، كما أن المستحاثات التي استغرقت دراستها سنين طويلة لم تثبت أي وجود للأشكال التحولية. ومن هنا بدا واضحاً أنه من الواجب طرح هذه النظرية بعيداً باعتبارها فكرة غير علمية. وهذا ما حدث للعديد من الأفكار التي لم تثبت صحتها العلمية مثل الفكرة التي تقول أن الأرض هي مركز الكون والتي أخرجت من المفكرة العلمية نهائياً.
إلا أن هذا لم يحدث لنظرية التطور، فبالرغم من كل الدلائل التي تدحضها، لم تخرج من المفكرة العلمية، حتى أن البعض يحاولون أن يلبسون النقد الذي تتعرض له هذه النظرية لباس "الهجوم على العلم". والسؤال هنا: لماذا؟
السبب هو أن نظرية التطور مذهب لا يمكن الاستغناء عنه من قبل بعض الدوائر. هذه الدوائر تلتزم بالنظريات المادية بشكل أعمى وتتعلق بالداروينية لأنها التفسير المادي الوحيد الذي يمكن اعتماده لتكريس نظرية عمل الطبيعة.وما يثير الدهشة أنهم يقرون هذه الحقيقة من وقت لآخر. يعترف عالم الوراثة، والتطوري، المشهور ريتشارد ليونتن من جامعة هارفارد أنه "مادي" أولاً ومن ثم "عالم" فيقول "ليست المعاهد ولا التجارب العلمية هي التي جعلتنا نقبل التفسير العلمي للظواهر الكونية، بل على العكس إننا مجبرون من خلال التزامنا القديم بالأسباب المادية على خلق مجموعة من المفاهيم التي تقدم تفسيرات مادية، مهما بلغ تناقضها مع البديهيات، علاوة على أن المادية أمر ثابت غير قابل للنقاش، لذلك نحن لا نسمح بتواجد أي بصمة إلهية.20
هناك اعتراف واضح أن الداروينية هي عبارة عن مذهب بقي على قيد الحياة فقط من أجل الالتزام بالفلسفة المادية. هذه الفلسفة ترفض أي وجود لخالق المادة. لذلك هي تفترض أن الحياة قد خلقت من مادة جامدة غير واعية. هذه الفلسفة تصر على أن الملايين من الكائنات مثل الطيور والزواحف والحيتان والزرافات والأسماك والأشجار والزهور والبشر قد خلقت من جراء بعض التفاعلات بين عناصر المادة مثل تفاعل المطر مع البرق... إلى آخر ما هنالك. هذا المفهوم يتناقض مع العقل والعلم، ومع هذا يستمر الداروينيون في الدفاع عنه فقط لمنع "تواجد أي بصمة إلهية".
إن أي إنسان ينظر إلى أصل الحياة، دون اتخاذ موقف المتحيز إلى النظرية المادية، سيتبين هذه الحقيقة:إن جميع الخلائق هي من صنع خالق هو الله الحكيم القدير. هذا الخالق هو الله الذي خلق الكون من لاشيء ، أتقن صنعه ونظامه وخلق الخلائق كل لما قدر له.

نظرية التطور أكبر خدعة سحرت العالم
علينا أن نوضح أن كل من يستخدم عقله بعيداً عن أي تحيز لأي مذهب من المذاهب، ويحكّم المنطق سيدرك تماماً أن الإيمان بنظرية التطور ، التي لم تأت إلى المجتمعات إلا بخرافة وهمية لا أساس لها من الصحة، هو أمر مستحيل تماماً.
هؤلاء التطوريون يزعمون، كما أسلفنا، أن بعض الذرات والجزيئات قد ألقيت في فجوة كبيرة فأنتجت التفكير والعقل والعلماء وطلاب الجامعة وأينشتاين وغاليلو والفنانون مثل بافاروتي وفرانك سيناترا، بالإضافة إلى الظباء وأشجار الليمون. أضف إلى ذلك أن هؤلاء العلماء الذين يؤمنون بهذه النظرية هم مثقفون وعلى قدر كبير من العلم. لهذا نقول عن هذه النظرية أنها "أكبر خدعة سحرت العالم". إذ لم يشهد التاريخ من قبل أي معتقد ذهب بعقول البشر إلى هذا الحد، ومنعهم من التفكير السوي والعقلاني، وأخفى عنهم الحقائق الواضحة فجعل منهم عمياناً. هذه الفلسفة أو المعتقد المادي أسوء من العقيدة التي كان يعتنقها المصريين القدامى في عبادته لإله الشمس رع، وأسوء من الطوطمية المنتشرة في إفريقيا، وأهل سبأ الذين عبدوا الشمس، وقوم إبراهيم الذين عبدوا الأصنام، وقوم موسى الذين عبدوا العجل الذهبي.
لقد عرض لنا القرآن الكريم حالة الضياع العقلي هذه، فقال لنا أن بعضاً من البشر تُغلق عقولهم وتعمى أبصارهم عن الحقيقة . يقول تعالى في كتابه العزيز:
"إن الذين كفروا سواء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون* ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم*" (البقرة 6-7).
"ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون*" (الأعراف 179).
"ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون*" (الحجر 14-15).
لا يمكن للكلمات أن تعبر عن دهشة المتبصرين من استعباد هذه الخدعة الساحرة للكثير من المجتمعات البشرية، فجعلتها يبتعدون عن الحقيقة واستمرت في هيمنتها لمدة 150 عاماً. معروف أنه قد يوجد واحد أو قلة من الناس ممن يصدقون بالسيناريوهات المستحيلة والإدعاءات الغبية والتلفيقات الكاذبة. مع هذا يبقى "السحر" فقط هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يفسر الناس الذين يعتقدون بهذه النظرية في أنحاء العالم كيف تجتمع الذرات التي لا حياة فيها فجأة وتقرر أن تشكل كوناً متقناً لا خلل فيه ولا نقص، كون منظم مرتب فيه من الوعي والفكر والإدراك ما فيه، ويتضمن كوكب الأرض الذي يحتوي أسباب الحياة المتكاملة والمدروسة بدقة، وعلى المخلوقات المتعايشة في أكبر نظام معقد.
يخبرنا القرآن الكريم من خلال قصة موسى مع فرعون أن الأشخاص الذين يدعمون الفكر الإلحادي يؤثرون في الآخرين عن طريق السحر. عندما أخبر موسى عليه السلام فرعون بالدين الحقيقي، طلب منه فرعون أن يلاقي السحرة. وعندما قابلهم موسى طلب منهم أن يعرضوا سحرهم أولاً وتخبرنا الآية التالية عن ما حصل بعد عرضهم لسحرهم:
"قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم*" (الأعراف 116).
وكما رأينا، فإن سحرة فرعون كانوا قادرين على خداع الناس بعيداً عن موسى عليه السلام والمؤمنين به. إلا أن الآية التي جاء بها موسى أبطلت السحر " فإذا هي تلقف ما يأفكون":
"وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون* فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون*" (الأعراف 117-119).
فكما تخبرنا الآية الكريمة، عندما أدرك الآخرون أن ما قام به هؤلاء الأشخاص الذين سحروا أعين الناس في البداية، لا يعدو أن يكون وهماً، فقدو هؤلاء مصداقيتهم. كذلك الأمر في يومنا هذا، سيشعر هؤلاء الذين يقعون تحت تأثير سحر مماثل لذلك فيصدقون الافتراءات والادعاءات السخيفة التي تتقنع بقناع العلم ويقضون حياتهم بالدفاع عنها بالخزي والذل عندما ينكشف السحر.
يعلن العالم الملحد مالكولم ماغيريدج والمؤيد لنظرية التطور عن قلقه من هذه النتيجة:
أنا نفسي مقتنع أن نظرية التطور ستكون نكتة كبيرة تتناقلها الكتب في المستقبل. ستتعجب الأجيال كيف تم قبول هذه النظرية الرديئة والمريبة بكل هذه السذاجة.21
هذا المستقبل ليس بعيداً: على العكس لن يلبث الناس أن يكتشفوا أن "المصادفة" ليست إلهاً وسينظرون إلى نظرية التطور كأسوء خدعة عرفها العالم في تاريخه. لقد بدأت شعوب العالم تنفض عن كاهلها غبار هذه الخدعة، بل إن الكثير منهم ممن عرفوا الحقيقة بوجهها المشرق أخذ يتساءل بدهشة كيف تمكنت هذه الخدعة منه ولو لبعض الوقت؟


"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم" (البقرة 32).



أعتذر عن الإطالة و لكنه كتاب رائع جدا و لفت انتباهي جدا فأحببت أن أنقله لكم بكل فصوله
تقبلوا جميعا فائق احترامي و تقديري
صورة العضو الشخصية
الدكتور أحمد

مشاركات: 3221
اشترك في: 04 مايو 2010

التالي

العودة إلى تاريخ وحضارات

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron