كملت محاسنه فزادتألقاً..نحو العلا ماض بنا يا منتدى



  • اخر المشاركات

سيرة الشاعر محمد الماغوط

المشرف: admin

قوانين المنتدى
نساهم فيه بذكر المراجع والمصادر التي تشير إلى تاريخ وحضارة منطقتنا كما نستقبل أي معلومة أو مقالة بذات المجال أو وثيقة مع ذكر المصدر الموثق

سيرة الشاعر محمد الماغوط

مشاركة غير مقروءةبواسطة زرقاء اليمامة » 15 نوفمبر 2011

مقدمة :
تقول الأسطورة «أن زيوس إله الأولمب عندما غضب على البشر منع النار عنهم، لكن بروميثيوس انطلق إلى جزيرة لمنوس، حيث كان هيفاستوس يحتفظ بنيرانه موقدة، فسرق بروميثيوس جمرة من النار المقدسة وجعلها في جذع شجرة فارغ، وحمله عائداً إلى بني البشر، ولما علم زيوس بهذه الفعلة غضب غضباً شديداً، وبعد إرساله المصائب والطوفان، تجددت حياة بني البشر، وشُفِيَ زيوس من غضبه، إلا أن بروميثيوس كان عليه أن يحاسَب على غشه ولصوصيته، وبناء على أمر من زيوس قام هيفاستوس يعاونه كراتوس ووبيا، بالقبض على بروميثيوس وشدّوا وثاقه بالسلاسل إلى إحدى قمم جبل القوقاز، وهناك أرسل له زيوس نسراً ذا جناحين عظيمين راح يتغذى على كبده التي لا تموت، وبمقدار ما يلتهم الهُولة المجنّح من كبده في النهار، ينبت له منها في الليل بنفس هذا المقدار، وعلى الرغم من هذا العذاب الأليم، ظل بروميثيوس مصراً في عناد لا يشكو ولا يتضرع ولا يصلي تذللاً. وما ونى عن تحدي سيد الأولمب والتعبير عن كراهيته له في انفجارات عنيفة، أليس في حوزته سر يتعلق بما ينتظر زيوس نفسه من خطر؟..»

إن من يقرأ حياة محمد الماغوط ويطّلع على شيء من أعماله ومواقفه يشعر أن حياته لا تخلو من الأسطورة. وكما يقول صاحب «الخيميائي» باولو كويليو أن لكل إنسان أسطورته الشخصية التي يبحث عنها ليعيشها، ففي أسطورة محمد الماغوط الشخصية الشيء الكثير من حضور شخص بروميثيوس بما تحويه من روح تمرّد تجاه السلطة بأشكالها المختلفة من جهة، وحبه وإخلاصه للجنس البشري من جهة أخرى، هذا الحب وهذا الإخلاص الذي دفع بروميثيوس أن يسرق النار المقدسة ويهبها للجنس البشري، نجده عند محمد الماغوط، وتتمثل لديه هذه النار المقدسة بالحرية التي أراد أن يهبها للإنسان العربي الممزّق والذي يئن تحت جراحات السلطة بأشكالها المختلفة، أبوية بطريركية أو دينية سلفية أو سياسية قمعية... إلا أن حبه للإنسان العربي لم يكن انغلاقاً وانطواءً بقدر ما يعني حباً للإنسانية الجريحة التي يراها أول بأول تتجسد في هذا الإنسان العربي الحبيب الغالي الذي دفعه حبه الكبير له أن يدفع ثمنه غالياً فكان عقابه إلهياً، فكما أن زيوس أرسل نسراً ذا جناحين عظيمين يتغذى على كبد بروميثيوس التي لا تموت، هكذا كانت عذابات الماغوط التي لا تنتهي. واندفع من داخله ينبوع سخرية مرير وسحري، ينتقد ويتساءل ويتمرّد.

وأخيراً، تقول الأسطورة أن بروميثيوس استطاع بشكل ما أن ينال الخلود الإلهي، واتخاذ مكانه الدائم على الأولمب.

إذن، هل نستطيع أن نسأل فيما إذا كان الماغوط قد استطاع أن ينال الخلود في الوجدان العربي والعالمي كصوت ضمير حي ما برح يشير إلى الطريق الواجب اتخاذه.. هل بوسع الإنسان العربي اليوم وغداً وبعد غد أن يسمع هذا الصوت يجلجل في داخله عاصفة من دموع وثورة من دم..؟‍!

سيرة حياته
في قرية استولى عليها الرومان يوماً ما، ونظموا فيها أقنية للري، وهُدِمَت مرات كثيرة، وكانت معقلاً للقرامطة، وعاشت على تخوم البادية والريف، وذات نزعة ثقافية مميزة، وذات بيئة إشكالية تتراوح في الثلاثينات بين أمراء وفلاحين، تدعى السلمية.. هناك وُلِدَ محمد الماغوط في العام 1934، وأبوه اسمه أحمد عيسى وأمه ناهدة الماغوط حيث أن الأب والأم من نفس العائلة، وكان الابن الأكبر في عائلة تضم ستة أخوة.

وهو يذكر أنه حين كان في السابعة من عمره خرج أول مرة ليرعى الخراف.

ولما كان ابناً لفلاح، وبالتالي لم يكن له مدرسة بل ما يُسَمّى بـ«الكتّاب» حيث كانت مدرسته الابتدائية تحت شجرة وارفة الظل يجتمع عندها أبناء الفلاحين مع «الخطيب» ليعلمهم القراءة والكتابة.

وعلى الرغم أن الماغوط يذكر أن والده كان مسالماً وفقيراً، وقضى حياته في الحصاد، وعمل أجيراً في أراضي الآخرين، فإننا نسمعه يقول: «كان أبي لا يحبني كثيراً، يضربني على قفاي كالجارية.. ويشتمني في السوق». أما أخوه الأستاذ إسماعيل الماغوط فنسمعه يقول عن أخيه أنه كان متمرداً منذ الطفولة.

وفي الواقع، نجد أن محمد الماغوط بدأ التدخين منذ التاسعة من عمره، حتى أنه كان يلتقط أعقاب السجائر ويدخنها، وعكس هذا شيئاً من روح التمرد لديه، هذه الروح التي اصطدمت بالسلطة الأبوية التي يملكها أبوه الذي حاول توجيه ابنه وكبح جماحه ولكن دون جدوى.

وروح التمرد هذه التي ظهرت مبكراً لديه تجلّت أيضاً بشكلها الواضح حين أتى أحد الأمراء وهو فارس ليرمي حنطة للفقراء، وذلك أثناء دفن أحدهم، فكان أن الماغوط الطفل أمسك بحجر وضرب الأمير الفارس به، و يذكر الماغوط بعد سنين طويلة أن آثار سوط الأمير بقيت على جلده.

إذن، بعد «الكتّاب» دخل الماغوط في المدرسة الزراعية في السلمية، وفي طفولته الباكرة هذه تعلم الماغوط قراءة القرآن الكريم الذي أصبح فيما بعد مرجعيته الأولى في اللغة العربية. وظلّ عالقاً في ذاكرته رائحة صفحات القرآن العتيقة وكيسه القماشي.

كانت حياة الماغوط التعليمية محدودة، وبعد تحصيله الإعدادية المتوسطة في المدرسة الزراعية في السلمية، وكان وقتذاك في الرابعة عشرة من عمره حين تعرّف سليمان عواد الذي يعتبره معلمه الأول، ووقتذاك كان ينشر في «الآداب» و«الأديب» ويذكر الماغوط أنه من عرفه على الشعر الحديث وقرأ له رامبو مترجماً، ويعتبره من أوائل من كتبوا قصيدة النثر.

في هذا العمر غادر الماغوط إلى دمشق لدراسة الهندسة الزراعية في ثانوية «خرابو» الزراعية بالغوطة، وكانت عبارة عن معهد داخلي، وهو يذكر أن والده آنذاك بعث رسالة للثانوية لكي يرأفوا بحاله لأنه فقير، وعلقوها على لوحة الإعلانات بالمدرسة مما جعله مكان سخرية الآخرين وضحكهم. كما يذكر أنه اكتشف عدم صلاحيته للعمل في الأرض، وأن الحشرات والمبيدات ليست هوايته المفضلة بل الحشرات البشرية، ناهيك عن تردي وضع أسرته المادي، كما أنه يعزو دخوله إلى هذه المدرسة لسبب أنها كانت تقدم الطعام والشراب مجاناً، إذن، اجتمع هذا كله في نفسه، ودفع به إلى ترك الثانوية والهرب منها، فمشى خمسة عشر كيلومتراً في دمشق، ولم يكن يعرف أحداً وقتذاك، ثم عاد إلى السلمية.

وفي السلمية دخل الحزب القومي دون أن يقرأ مبادئه، وهو يذكر أنه كان وقتذاك يوجد حزبان، البعث وكان في حارة بعيدة في حين كان القومي بجانب البيت وفيه مدفأة أغرته بالدفء فدخل إليه.

وفي هذه الفترة حين كان فلاحاً بدأت بوادر موهبته الشعرية بالتفتح فنشر قصيدة بعنوان «غادة يافا» في مجلة «الآداب» البيروتية.

فيما بعد، قام الماغوط بخدمته العسكرية في الجيش حيث استهل قصائده النثرية، بقصيدة «لاجئة بين الرمال» نُشِرَت في مجلة «الجندي»، وكان ينشر فيها أدونيس وخالدة سعيد وسليمان عواد، وكان ذلك بتاريخ 1 أيار 1951، وتوجّه إلى أدونيس الذي كان مسؤولاً عن الركن الثقافي بهذه العبارة: «يصوّر الكاتب في هذه المقطوعة تصويراً رمزياً، الحالة المؤلمة، لأبناء فلسطين، بعد الكارثة». يقول فيها: «وجه طرزته الفطرة بالسذاجة.. وصدر سلبت الرياح قناعه.. فبان بين صواريه الحانية.. نهدان خافتان احتضنتهما الصخور.. كنبتة ناهضة أذبلها الهجير.. ودمعة حارة النزيف.. فتية الانحدار.. ترسم خطوطاً بائسة وجوانح محطمة.. على قوادم تلك الصبية الراقدة».

بعد إنهاء خدمته استقر الماغوط في السلمية، إلى أن حدث زلزال في حياته المبكرة، تمثّل في اغتيال «عدنان المالكي»، وبالطبع اتُّهِمَ في ذلك الوقت الحزب القومي باغتياله، ولوحق أعضاء الحزب، وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط أولهم، وللمفارقة يذكر أن اعتقاله تم بساعة تقريباً قبل الاغتيال نفسه، وكان هذا في عام 1955.

في هذا السياق يقول الباحث لؤي آدم: «.. فعلاً إن المدة التي قضاها الماغوط، رغم أنها لم تتجاوز الأشهر الستة أو السبعة إلا أن هذه الشهور لم تكن متوالية بل هي على مراحل وفترات متقطعة، تخللتها الكثير من الملاحقات والعنف الفظيع والتخفي في أقبية..». وفي السجن تعرّف الماغوط على أدونيس حيث كان الماغوط بالمهجع الرابع، وأدونيس بالمهجع الخامس.

وعن تجربته الأدبية في السجن يقول الماغوط: «كنت أدخن.. الطاطلي سرت والبافرا وعلى ورق البافرا كتبت مذكراتي في السجن وهرّبتها في ثيابي الداخلية، واكتشفت لاحقاً أن ما كتبته كان شعراً. قصيدة "القتل" كتبتها في السجن ونشرتها كما هي.

بداياتي الأدبية الحقيقية، كانت في السجن. معظم الأشياء التي أحبها أو أشتهيها، وأحلم بها، رأيتها من وراء القضبان: المرأة، الحرية، الأفق».

إذن، في السجن كان الماغوط قد كتب قصيدة «القتل» كما كتب قصيدة رائعة يعبّر فيها عن حبه العذري لإحدى فتيات بلدته في بدايات المراهقة.

استمرت هذه الفترة العصيبة من حياة الماغوط في السجن وخارج السجن، ففي فترة الوحدة بين سورية ومصر كان الماغوط مطلوباً في دمشق، فقرر الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينات، وكان دخوله لبنان بطريقة غير شرعية سيراً على الأقدام، وأخيراً انضمّ الماغوط إلى جماعة «شعر» حيث تعرف على الشاعر يوسف الخال الذي احتضنه في مجلة «شعر»، ويذكر الماغوط أن أول من اكتشفه كشاعر كان أدونيس وذلك في إحدى جلسات مجلة «شعر» فقرأ قصيدته «القتل» بحضور يوسف الخال، وأنسي الحاج، والرحابنة، دون أن يعلن عن اسمه، فتركهم يتخبطون (بودلير؟.. رامبو؟) إلى أن أشار أدونيس إلى الماغوط، وقال «هذا هو الشاعر».

وذات مرة طلب يوسف الخال قصيدة من الماغوط فقال له: «غداً سأحضرها». وفي الليلة ذاتها كتب «حزن في ضوء القمر» وأحضرها في اليوم التالي.

وفي بيروت نشأت بين الماغوط والشاعر بدر شاكر السياب صداقة حميمة، كان صديق التسكّع على أرصفة بيروت، وكان السياب برأي الماغوط بسيطاً وصادقاً ويشبهه في جانب من سيرته.

وأخيراً، تعرّف الماغوط في بيت أدونيس في بيروت على سنية صالح، وهي شقيقة خالدة سعيد، زوجة أدونيس، وكان التعارف سببه تنافس على جائزة جريدة «النهار» لأحسن قصيدة نثر.

وحين عاد الماغوط إلى دمشق، كان قد غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى «حزن في ضوء القمر» (دار مجلة شعر، 1959)، وعن الدار نفسها صدرت، بعد عام واحد مجموعته الثانية «غرفة بملايين الجدران» (1960).

وبعد عودة الماغوط إلى دمشق، جاءت سنية صالح للدراسة في جامعة دمشق، فكان أن ساعدها في استكمال أوراق الجامعة، ثم نشأت بينهما قصة حب عاصفة حسب تعبير الماغوط.

في العام 1961 أمضى الماغوط في السجن ثلاثة أشهر، وكانت سنية صالح وصديقه الحميم زكريا تامر يزودانه بالكتب.

فيما بعد ظل الماغوط فترة من حياته مطارداً، فاختبأ في غرفة واطئة بحي «عين الكرش» وكانت غرفة نصفية، وكان عليه أن ينحني كي لا يصطدم رأسه بالسقف. وفيها كتب «العصفور الأحدب» حيث كان العصفور يرمز للحرية، أما الأحدب فلأنه يصف حالته في تلك الغرفة. وأيضاً كانت سنية صالح وكذلك زكريا تامر يجلبان له الكتب إلى مخبئه هذا.

يقول الماغوط: «حين كتبت مسرحية "العصفور الأحدب" كانت على أساس أنها قصيدة طويلة، لكن حين قرأتها سنية صالح، قالت هذه مسرحية، فسألتها ما هي شروط المسرحية، قالت أن تكون على فصول، قلت: كم فصلاً أحتاج. أجابت: أربعة، فجلست وكتبت الفصل الرابع وأنهيتها. كل ما أكتبه شعر. حتى لو كان نصاً مسرحياً أو مقالاً أو زاوية صحفية.. أرغب أن ألغي المسافة بين ما هو شعر وما ليس شعراً.. الموسيقى في أشعاري موجودة في متن النص..».

تزوج الماغوط من الشاعرة سنية صالح فها نحن ذا نسمعه يقول عنها: «سنية هي حبي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفاً صعبة، لكنها ظلت على الدوام أكبر من مدينة وأكبر من كون، إنها شاعرة كبيرة لم تأخذ حقها. ربما آذاها اسمي، فقد طغى على حضورها، وهو أمر مؤلم جداً، كما أنها لم تأخذ حقها نقدياً».

كما يذكر خليل صويلح: «يقول عنها في "الأرجوحة": لقد كان قروياً حزيناً لا تزال رائحة العنب والتلال الجرداء متخمرة في شعره، يشق طريقه كالمحراث الصغير بين النساء ويخلفهن وراء سريره كالأثلام، في كل المدن والأقبية والمكاتب التي عاش فيها كصحفي وكمتشرد. كان يعتقد أن الحب هو ذلك الارتجاف الذليل الخاطف في عروق الظهر، تلك النار المندفعة كما الجداول حول الرئتين وأمام مصب القلب، حيث ينتهي كل شيء بمجرد تعقيم اليدين وترتيب الشعر أمام المرآة.

إلى أن جاءت "غيمة" – وهو يقصد بها سنية صالح – وأحكمت اللجام الحرير بين القواطع، وحكت بأظافرها الجميلة الصافية قشرة التابوت وبريق المرآة، وأغلقت كل الشوارع، ولملمت كل أوراق الخريف ووضعتها في أنبوب المدخنة للذكرى. أو بالأحرى، عندما جاءت لتقلب كل شيء رأساً على عقب، وتجعل الكتب والثياب والأوراق وكل ما تزدحم به غرفته الصغيرة أشبه بأسلاب حرب لا يعرف إلى من تؤول في النهاية.

ولكنه يرددها كالكروان مئات المرات في اليوم: إن حياته من دونها لا تساوي أكثر من علبة ثقاب».

كان الماغوط قد غادر الحزب مبكراً، وفي رأيه أن الإنسان أكبر من الحزب.

في الستينات قام الماغوط بعمل صحفي، وكتب مقالات نقدية ساخرة، كما صدرت مسرحية «المهرج». وكانت «البناء» البيروتية هي التي احتضنت باكورة نتاجه الساخر منذ أعدادها الأولى عام 1958.

في السبعينات عمل الماغوط في دمشق رئيساً لتحرير مجلة «الشرطة» حيث نشر كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان «الورقة الأخيرة». وفي هذه الفترة بالضبط بحث الماغوط عن وسائل تعبير أخرى، أشكال من الكتابة قد تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياته المتوالية «ضيعة تشرين»، «غربة»، وفيها أراد الماغوط الكتابة إلى العامة، فاستبطن وجدان وأحزان الإنسان العربي، وزاوج بين العنصر التجريبي والشعبي في كتابة كوميديات ساخرة وباكية في آن معاً.

في النصف الثاني من السبعينات كتب الماغوط في جريدة تشرين زاوية يومية بعنوان «عزف منفرد» بمشاركة الكاتب السوري زكريا تامر. كما كتب أيضاً في مجلة «المستقبل» (باريس) صفحة بعنوان «أليس في بلاد العجائب» 1978، وفي 1979 ظهرت مسرحيته «كاسك يا وطن».

فترة الثمانينات كانت صعبة وقاسية، بدأت بوفاة شقيقته ليلى بمرض خبيث (1984)، ثم وفاة والده (1985)، لكن الأصعب والأقسى كان وفاة زوجته الشاعرة سنية صالح (1985)، وكانت قد صارعت الموت في مشفى بضاحية قرب باريس حيث أمضت عشرة أشهر للعلاج من المرض الذي أودى بها. والماغوط يتذكر تلك الفترة فيقول: «حين كانت مريضة، جلست بقربها وهي على فراش الموت، أقبّل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر، فقالت لي عبارة لن أنساها: "أنت أنبل إنسان في العالم"». وأوصت الشاعرة المحتضرة زوجها الماغوط بعدم الزواج من بعدها، وتربية ابنتيهما شام وسلافة، وها نحن نسمعه يقول: «لم أكن عائلياً، محباً لحياة الأسرة، الآن فقط، بعد رحيل سنية، أصبحت محباً للمنزل والعائلة».

وهكذا ظل الماغوط مخلصاً لذكرى زوجته حتى آخر حياته، ملتزماً تجاه ابنتيه، حيث أصبحت «شام» طبيبة وتزوجت لتستقر في أميركا، أما «سلافة» فقد درست الفن التشكيلي في جامعة دمشق، ثم تزوجت واستقرت في دمشق.

وبعد كل هذا تودعه أمه «ناهدة» عام 1987، ويذكر أنها زارته في أيامها الأخيرة في دمشق، وكان عمرها يتجاوز الثمانين. وهكذا ترك الموت بصمة الحزن في عمق روح الماغوط الثائرة والمتمردة حتى اعتبره البعض شاعر الرثاء الكوني.

من عمق معاناته كان إبداعه المتواصل يتفجر وتتنوع وسائل التعبير لديه فكتب سيناريوهات أفلام «الحدود» و«التقرير» و«المسافر» كما كانت قد ظهرت مسرحية «شقائق النعمان» ومسلسلات تلفزيونية مثل «حكايا الليل» و«وين الغلط».

وأخيراً نشر نصوصه الجديدة عبر مجلة «الوسط» اللندنية بمعدل نص كل أسبوعين على الصفحة التاسعة من كل عدد تحت عنوان «تحت القسم».

وفي عام 1996 تعرض الماغوط لوعكة صحية نُقِلَ على أثرها إلى باريس إذ عانى من انسداد الشريان السباتي الأيسر وخضع لعمل جراحي خطير.

وفي بدايات الألفين ظهر عمله «سياف الزهور» (نصوص حرة) يستهلها بقصيدة رثاء لزوجته سنية صالح، وتحدث فيما بعد في إحدى حواراته عن مسرحية «قيام، جلوس، سكوت» التي اشتراها الفنان زهير عبد الكريم، ومسرحية «المقص» واشترتها وزارة الثقافة وسيخرجها ماهر صليبي، كما ظهر ديوانه «شرق عدن، غرب الله».

وفي عام 2005 نال الماغوط جائزة العويس للشعر التي أدخلت السعادة إلى قلبه، وعندما حضر توزيع الجوائز يذكر البعض أنه كان على كرسي متحرك.

وبعد ظهر الاثنين الثالث من نيسان عام 2006 أسدل القدر ستاره، ورحل الماغوط عن عمر يناهز 72 عاماً وذلك بعد صراع طويل مع مرض السرطان، تاركاً دموعاً حزينة على مآقي الوطن الذي أحبه للغاية.



إلى اللقاء مع تتمة الموضوع
صورة
صورة العضو الشخصية
زرقاء اليمامة
مشرف

مشاركات: 1955
اشترك في: 19 مارس 2010

مشاركة غير مقروءةبواسطة محمدالاسمر » 15 نوفمبر 2011

شكرا لك زرقاء اليمامة

صراحة موضوع جميل ويستحق ان يكون دراسة أدبية

صورة




شآميّ الهوى قلبي وما أحلاه أن يغدو هوى قلبي شآميا
صورة العضو الشخصية
محمدالاسمر
مختار المنتدى

مشاركات: 2226
اشترك في: 20 فبراير 2010


العودة إلى تاريخ وحضارات

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 4 زائر/زوار

cron